تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الأدب العربي — صفحة 524

مساهمون:

ص٥٢٤
كلّ قبّة صنم من الحجارة . وبين القباب صهريج ماء قد تكاثفت عليه الظّلال وتزاحمت الأشجار فلا تتخلّلها الشمس . فكأنّ ذلك الموضع من جهنّم ، أعاذنا اللّه منها ! ولمّا وصلن إلى تلك القباب نزلن إلى الصّهريج وانغمسن فيه وجرّدن ما عليهنّ من ثياب وحلى فتصدّقن به . وأتيت كلّ واحدة منهنّ بثوب قطن خشن غير مخيط ، فربط بعضه على وسطها وبعضه على رأسها وكتفيها ، والنيران قد أضرمت على قرب من ذلك الصّهريج في موضع منخفض وصبّ عليها روغن كنجد - وهو زيت الجلجلان « 1 » - فزاد في اشتعالها . و ( كان ) هنالك نحو خمسة عشر رجلا بأيديهم خشب كبار ، وأهل الأطبال والأبواق وقوف ينتظرون مجيء المرأة - وقد حجبت النار بملحفة لئلّا يدهشها النظر إليها . فرأيت إحداهنّ لمّا وصلت إلى تلك الملحفة نزعتها من أيدي الرجال بعنف وقالت لهم : « ما را ميترسانى از أطش ؟ من ميدانم أو أطش است . رها كني ما را ! » وهي تضحك . ومعنى هذه الجملة : أبالنار تخوّفونني ؟ أنا أعلم أنّها نار محرقة « 2 » . خلّوا عنّي « 3 » . ثمّ جمعت يديها فوق رأسها خدمة للنار ورمت بنفسها فيها . عندئذ ضربت الأطبال والأنفار والأبواق ، ورمى الرجال ما بأيديهم من الحطب عليها ، وجعل الآخرون تلك الخشب من فوقها لئلّا تتحرّك . وارتفعت الأصوات وكثر الضجيج . ولمّا رأيت ذلك كدت أسقط عن فرسي لولا أنّ أصحابي تداركوني بالماء فغسلوا وجهي . وانصرفت . ( ب ) مدن الشام : ومدينة صور هي التي يضرب بها المثل في الحصانة والمنعة لأنّ البحر محيط بها من
هامش
( 1 ) الجلجلان : السمسم . ( 2 ) « محرقة » غير موجودة في الأصل الفارسي . ( 3 ) هذه العبارة « خلّوا عنّي » . هي معنى « رها كني ما را » ( حرفيا : اعملوا لي طريقا ) ، وهي غير موجودة في الأصل فأضفتها . ( هذه جملة مهمّة تدلّ على أنّ مجوس الهند منذ أيام ابن بطّوطة كانوا يتكلّمون اللغة الفارسية - لغة المسلمين - ثمّ تدلّ على أنّ - ابن بطوطة تعلّم عددا من لغات البلاد التي زارها وطال مكثه فيها . وكذلك تدلّ - إذا كان هذا النقص موجودا في جميع النسخ - أن ابن جزيّ لم يستوعب كلام ابن بطوطة كلّه فكان يتصرف بما أملاه عليه ابن بطّوطة كثيرا أو قليلا ) .