والترتيب الذي انتهت إليه حيلتي وصرفت في اختياره مخيّلتي هو أنني ذكرت البلدة « 1 » ، حاطها اللّه ، منبّها منها على قديمها وطيب هوائها وأديمها ، وإشراق علاها ومحاسن حلاها ، ومن سكنها وتولّاها ، وأحوال أناسها ومن دال « 2 » بها من ضروب القبائل وأجناسها ، وأعطيت صورتها وأرّخت في الفخر ضرورتها . وذكرت الأسماء على الحروف المبوّبة « 3 » وفصّلت أجناسهم بالتراجم المرتّبة : فذكرت الملوك والأمراء ثمّ الأعيان والكبراء ثمّ الفضلاء ثمّ القضاة ثم المقرئين والعلماء ثم المحدّثين والفقهاء وسائر الطّلبة النّجباء ثمّ الكتّاب والشعراء ثمّ العمّال والأثراء « 4 » ثمّ الزهّاد والصّلحاء والصّوفيّة والفقراء ليكون الابتداء بالملك والاختتام بالمسك ولينظم الجميع انتظام السّلك « 5 » . وكلّ طبقة تنقسم إلى من سكن المدينة بحكم الأصالة والاستقرار أو طرأ عليها ممّا يجاورها من الأقطار أو خاض إليها - وهو الغريب - أثباج « 6 » البحار أو ألمّ بها ولو ساعة من نهار . فإن كثرت الأسماء نوّعت وتوسّعت ، وإن قلّت اختصرت وجمعت . وآثرت ترتيب الحروف في الأسماء ثمّ في الأجداد والآباء لشرود الوفيات والمواليد التي رتّبها الزمان عن الاستقصاء « 7 » . وذهبت إلى أن أذكر الرجل ونسبه وأصالته وحسبه ومولده وبلده ومذاهبه وأنحاله « 8 » والفنّ الذي دعا إلى ذكره ، وحليته ومشيخته « 9 » - إن كان ممّن قيّد علما أو كتبه - ومآثره إن كان ممّن وصل الفضل
هامش
( 1 ) البلدة ( غرناطة ) .
( 2 ) دال فلان دالة ودولة : صارت له دالة ( نصيب ودور في الحكم ) .
( 3 ) على الحروف ( كما ترتّب في القاموس ) .
( 4 ) العمّال : الولاة على المدن . الأثراء ليست في القاموس ( لعلّه يقصد الفضلاء ، ذوي الفضل والمكانة الاجتماعية في بلدانهم ) .
( 5 ) بالملك ( أهل القوّة ) . الاختتام بالمسك ( بأهل الصلاح ) . انتظام السلك ( ليكون الكتاب ممثّلا لجميع طبقات المجتمع على الترتيب المخصوص ) .
( 6 ) الثبج : وسط الشيء ( ووسط البحر أيضا ) .
( 7 ) - يقصد أن الحصول على تاريخ مولد الأشخاص ووفاتهم ليس سهلا في كلّ حين .
( 8 ) الأنحال ليست في القاموس ( لعلّه يقصد جمع نحلة - بكسر النون - الطريقة التي يحصّل الإنسان بها معاشه ) .
( 9 ) حليته ( صفاته وأحواله ) . مشيخته ( أساتذته ) .