2 - كان لسان الدين ابن الخطيب رجلا متعدّد نواحي الشخصيّة واسع الثقافة محيطا بوجوه كثيرة من فنون عصره بارع التعبير عن كلّ موضوع يتناوله حتّى إنّه كسف أنوار كثيرين من الذين عاصروه . وبرع في الفلسفة والسّياسة والطّب ، وأمّا في التاريخ فكان مؤرّخ عصره بلا منازع .
ثمّ هو أديب ناثر ومترسّل وشاعر مقتدر ، وهو مكثر من النتاج في النثر وفي الشعر . غير أنّه كثير التكلّف في النثر والشعر معا ممّا يدلّ على مقدرة في الفنّين تجعل أسلوبه فيهما قويّا مرصّعا فخما ، ولكن تسلبه كثيرا من الطّلاوة . وعلى كلّ فإنّ أدبه أعظم قيمة في مادّته وفي خصائصه المعنوية . ونستطيع أن نرفع شأن النّتاج الأدبيّ للسان الدين إذا نحن نظرنا إليه على أنّه صورة صحيحة أمينة للعصر الذي عاش فيه . فمن شعره الجميل ذي العاطفة والأثر في النفوس قوله لما جاء سفيرا إلى أبي عنان يستنجده على الطاغية ملك قشطالة ( نفح الطيب 5 : 98 - 99 ) :
خليفة اللّه ، ساعد القدر * علاك ما لاح في الدّجى قمر ؛
ودافعت عنك كفّ قدرته * ما ليس يسطيع دفعه البشر .
وجهك في النائبات بدر دجى * لنا ، وفي المحل كفّك المطر « 1 » .
والناس طرّا بأرض أندلس * لولاك ما أوطنوا ولا عمروا « 2 » .
وجملة الأمر أنه وطن * في غير علياك ما له وطر .
ومن به - مذ وصلت حبلهم - * ما جحدوا نعمة ولا كفروا .
وقد أهمّتهم بأنفسهم * فوجّهوني إليك وانتظروا !
ولسان الدين بن الخطيب مصنّف خصب له كتب قيّمة منها : الحلل المرقومة ( - رقم الحلل في نظم الدول ) : تاريخ منظوم شعرا لملوك المشرق والمغرب والأندلس يتخلّله
هامش
( 1 ) المحل : القحط ، الجفاف ( حين لا تنبت الأرض شيئا ) .
( 2 ) طرّا : جميعا . أوطن الرجل المكان : اتّخذه وطنا . عمر الرجل الأرض : سكنها ، وعمر الرجل الدار :
بناها .