به الأذكار والأفكار وتحدّثت معه بالليل والنهار « 1 » حفظ ما أفاد من العلوم والأخبار .
وإنّ خير ما ريّضنا « 2 » به النفوس البشرية مجالسة العلماء والأخيار ومذاكرة الأدباء ذوي الهمم وعلوّ المقدار ، ففي مجالستهم ومذاكرتهم ما يسحر الذّهن وينوّر الأفكار .
فإن فقدت مجالستهم فلا عوض منها غير كتاب يتّخذه ( الإنسان ) جليسه ويجده في كلّ وقت أنيسه . . . . وطلب بعضهم إليّ - ممّن يجب إكرامه عليّ - أن أجمع له كتابا مفردا في أخبار البلاد الغربيّة « 3 » على سبيل الإيجاز والاختصار . . . فلم يمكنّي التوقّف في ذلك ولا الاعتذار . . . فجمعت له في هذا الكتاب نبذا ولمعا من عيون التواريخ والأخبار ممّا أجرى اللّه به تصاريف الأقدار فيما مرّ من الأزمنة والأعصار ، في بلاد المغرب وما والاها من الأقطار : جمعت ذلك من الكتب الجليلة مقتضبا من غير إسهاب ولا إكثار « 4 » . فاقتطفت عيونها واقتضبت فنونها . ووصلت الحديث بالقديم ، والقديم بالحديث ، لأنّه إذا اتّصل يستظرف ويستحلى ، كما قال بعضهم :
وسئمت كلّ مآربي * فكأنّ أطيبها خبيث ،
إلّا الحديث فإنّه * عند اسمه أبدا حديث « 5 »
. . . . ولمّا كمل ما قيّدته وجرّدته جزّيته على ثلاثة أجزاء ، كلّ جزء منها قائم بنفسه ليكون لمطالعه أوضح بيان وأسهل مرام لدى العيان . وسمّيته بالبيان المغرب في اختصار أخبار ملوك الأندلس والمغرب . أمّا الجزء الأوّل فاختصرت فيه أخبار إفريقية من حين الفتح الأوّل إلى خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفّان ثمّ أخبار أمرائها من ولاة الخلفاء الأمويّين ومن دخل الغرب منهم ومن قام بإفريقية . . . . إلى حين ابتداء الدولة اللّمتونية المرابطية « 6 » . والجزء الثاني اختصرت فيه أخبار جزيرة
هامش
( 1 ) « تحدّثت معه » قلقة هنا .
( 2 ) كذا في الأصل ، والصواب : روّضنا ( بالواو ) ، أي ذلّلناها ، عوّدناها ، مرّنّاها على . . .
( 3 ) البلاد الغربية : المغربية ( بالإضافة إلى المشرقية ) .
( 4 ) اقتضب الكلام : قطعه . والمقصود هنا : اختصره . الإسهاب : الزيادة في الألفاظ من غير زيادة في المعاني .
( 5 ) . . .
( 6 ) الغرب ( إفريقية والأندلس ) . قام بأفريقية ( حكمها ) . الدولة المرابطية ( من بني لمتونة ) قامت نحو سنة 450 ه ( 1058 م ) .