ابن محمّد اللّحيانيّ . ولكنّ هذه الرحلة كانت قصيرة ( 706 - 708 ه ) ولم يتجاوز بها صاحبها القطر التونسيّ وجانبا من غربيّ ليبيا اليوم . وإذا نحن نظرنا إلى هذه الرحلة من حيث وصف المناطق التي مرّ بها التّجانيّ حكمنا بأنّها رحلة قاصرة جدّا لم تصف من معالم تلك البلاد إلّا شيئا قليلا . غير أنّ هذه الرحلة غنيّة بأوجه الاستطراد إلى التاريخ والأدب والعلم وإلى إيراد المراسلات بين صاحبها ونفر من رجال عصره ، فهو يورد تلك المراسلات بشيء كثير من التفصيل كما يورد نماذج كثيرة من آثار الأدباء المعاصرين له . ولكن من غير المألوف في « الرّحلات » أن يكثر صاحب الرحلة من الاستشهاد بكتب الجغرافية والتاريخ كما فعل التجانيّ . ولا شكّ في أن هذه الرحلة تصف جانبا كبيرا من حياة تونس في مطلع القرن الثامن للهجرة ( وهو جانب غامض في تاريخ تونس ) .
وأسلوب التجانيّ في رحلته أسلوب سليم فيه شيء من الصّناعة . والرحلة تدلّ على ثقافة لغوية وعلمية واسعة . أمّا شعر التّجانيّ فهو عاديّ جدّا .
3 - مختارات من آثاره
- من مطلع الرحلة :
. . . . هذا تقييد يشتمل على وصف ما شاهدته في هذه السّفرة المباركة من البلاد مضمّن ذكر « 1 » أحوالها وصفاتها وبيان طرقها ومسافاتها ، والإشارة إلى مفتتحيها وبناتها « 2 » ، وأحوال من اشتملت عليه من أصناف العوالم وما يتميّز به كلّ بلد من الآثار والمعالم ، وما يتشوّف إليه ويتشوّق « 3 » إلى الاطّلاع عليه . وقد ألبس ذلك من حلّة النظم والنثر ممّا ورد في هذه السّفرة إليّ أو صدر عنّي استفتاح خطاب أو ردّ جواب ممّا تحسن المحاضرة « 4 » به وتحصل الإفادة . . .
هامش
( 1 ) مضمّن نعت « تقييد » ( تدوين ) . ذكر مفعول به من « مضمّن » .
( 2 ) مفتتحها : الذي استولى عليها بالقوّة . بناة جمع بان ( الذي بنى البلدة ) .
( 3 ) تشوّف : تطلّع ليرى شيئا عن بعد . تشوّق : مال برغبته إلى شيء ما .
( 4 ) صدر عنّي : أرسلته ( أرسلت رسالة ) . استفتاح ( مطلع ، مقدّمة ) خطاب ( كتاب ، رسالة ) . المحاضرة : ( في -