والدينيّ . حدث له زهد مفرط في أحوال الدّنيا وصحب ذلك غفلة شديدة فكان يرى كأنّه غارق في التفكير متّصل الحزن كثير الانقباض عن الناس ، وشرب مرّة الخمر علنا ولم يبال بلوم الناس فكان يردّ عليهم بقوله : « وما جرى ؟ ابن هود شرب خمرا » .
وكثر الشّطح « 1 » في كلامه وفي أفعاله ، فكان ، مثلا ، إذا طلعت الشمس استقبلها وصلّب على وجهه . فعدّ نفر كثيرون ذلك منه خروجا عن الإسلام . فلم يصلّ عليه القاضي بدر الدين محمّد بن إبراهيم بن جماعة ( 639 - 733 ه ) .
وبدر الدين بن هود شاعر مكثر على طريقة أهل التصوّف ، في بعض شعره تلميح وفي بعضه تصريح . وبعض شعره متين السبك من الطبقة العالية . وكان يميل في تصوّفه إلى وحدة الوجود أو الاتحاد « 2 » ، وهو - في ذلك - كثير الشّبه بعمر بن الفارض .
3 - مختارات من شعره
- قال بدر الدين بن هود المرسيّ على طريقة أهل التصوّف :
فؤادي من محبوب قلبي لا يخلو ، * وسرّي على فكري محاسنه يجلو « 3 » .
ألا يا حبيب القلب : يا من بذكره * على ظاهري من باطني شاهد عدل « 4 » ،
تجلّيت لي منّي عليّ فأصبحت * صفاتي تنادي : ما لمحبوبنا مثل « 5 » !
أورّي بذكر الجزع عنّي وبأنه ؛ * ولا البان مطلوبي ولا قصدي الرمل « 6 » .
وأذكر سعدى في الحديث مغالطا * وليلى ؛ ولا ليلى مرادي ولا جمل .
هامش
( 1 ) الشطح : كلام عليه رعونة ( خفّة وحمق وخروج عن المألوف ) .
( 2 ) مذهب الوحدة ( وحدة الوجود ) أو الاتّحاد ( في التصوّف ) : أن يفقد المتصوّف شخصيّته ثمّ تتحقّق ذاته في اللّه فيفقد الإنسان ويبقى اللّه .
( 3 ) . . . . سرّي يجلو ( يظهر ) محاسن محبوبي لفكري .
( 4 ) على ظاهري من باطني ( راجع الحاشية السابقة ) : سلوكي الظاهر المخالف لاعتقاد الناس تسوّغه ( تجيزه ) معرفتي الباطنة .
( 5 ) تجلّيت ( ظهرت حقيقتك لي ) . لي منّي عليّ ( راجع الحاشيتين السابقتين ) : المتصوّف لا يستدلّ بالمنطق وبالبراهين الخارجية ، بل بما يقع في قلبه ( في نفسه ) من الاقتناع الذاتي ( أو الوهم ) .
( 6 ) ورّى : ذكر شيئا وهو يريد غيره . الجزع : منعطف الرمل . البان : شجر أغصانه طوال مستقيمة سمراء .