استقلاله بالقطر التونسي . واستطاع أبو زكريا أن يمدّ ملكه إلى القطر الجزائريّ ( حتّى مدينتي الجزائر وتلمسان ) وإلى القطر المغربي ( حتّى سجلماسة ومكناسة وسبتة وطنجة ) . وكذلك كان أبو زكريا حاكما عمرانيّا بنى القصر في القصبة ( المدينة الداخلية : القلعة ) وبنى سوق العطّارين ( مركز الحياة الاقتصادية في مدينة تونس ) وبنى المساجد فازدهر القطر التونسيّ في أيامه اقتصاديا وعمرانيا وثقافيا .
وبنى أبو زكريا هذا مكتبة ضمّت ، فيما قيل ، ستّة وثلاثين ألف كتاب .
وجاء بعد أبي زكريا ابنه محمّد المستنصر باللّه ( 647 - 675 ه ) ، وعمره نحو عشرين سنة ، فنازعه العرش ابن عمّه اللحيانيّ ثمّ خلص العرش للمستنصر . ولكن في آخر سنة 668 ( 1170 م ) هاجم ملك فرنسة لويس التاسع - الملقّب : القدّيس لويس - شماليّ تونس بأربعين ألف جنديّ فطالت الحرب بين الملكين سجالا نحو ستّة أشهر . ثمّ فشا الطاعون في تونس وامتدّ إلى الجيش الفرنسيّ فهلك فيه خلق عظيم فيهم الملك لويس نفسه . فاضطرّت فرنسة إلى سحب جيوشها وعقد الصلح ودفع غرامة كبيرة لتونس . وزادت الحضارة في أيام المستنصر باللّه هذا حتّى بلغت إلى الترف ، فكان هذا الترف إيذانا بالسقوط في التقهقر .
غرقت تونس في النزاع على العرش وفي الفتن زمنا طويلا ، من سنة 676 إلى سنة 796 ( 1277 - 1393 م ) . ثمّ جاء إلى عرش الحفصيّين في تونس أبو فارس عزّوز ( عبد العزيز ) بن أحمد ( 796 - 837 ه ) فاستردّت تونس هدوءها ومكانتها وقوّتها وازدهارها . ولكنّ المرينيّين أصحاب مرّاكش ناجزوه القتال فاستطاع أن يتغلّب عليهم ويتوغّل في المغرب حتّى وصل إلى مدينة فاس ، فجنح المرينيّون إلى الصلح . وكان لعزّوز هيبة وسلطة فعظمت مكانته في أقطار المغرب وفي الأندلس أيضا . وكان عزّوز عمرانيّا فمكّنته ثروة تونس يومذاك من إقامة القلاع والمستشفيات والمكتبات . غير أنّ الدولة الحفصيّة كانت قد هرمت بالنزاع الداخليّ وبالترف وبالزمن أيضا وزاد طمع الإسبان فيها فهيّأ اللّه لها مجاهدين هما خير الدين وأخوه عروج العثمانيّان فدفعوا عنها خطر القراصنة الأوروبيّين « 1 » .
هامش
( 1 ) القراصنة : لصوص البحر . والقرصنة قديمة جدّا عرفت في أيام الفينيقيين ( أو الكنعانيّين ) الذين -