فقلت للنفس : شكرا ، * لذاك بالنفس جودي « 1 » .
وقمت أشطح سكرا ، * فغبت عن ذا الوجود « 2 » !
- وقال ابن الجنّان ، على الطريقة الصوفية ( القدح المعلّى 207 ) :
خبر بأنفاس الرياح معطّر * وافى شذاه فظلت منه أسكر « 3 » .
للّه ما أحلى شمائله التي * جاء النسيم بعرفها يتبختر « 4 » .
وافى وما في القوم من يدري به * إلّا فتى في حبّه متنكّر « 5 » .
تتلى أحاديث الغرام بقلبه ، * ولسانه عمّا به يستخبر « 6 » ،
حتّى إذا غنّى له الحادي بهم ، * وسرى له من نشر ليلى العنبر « 7 » ،
هزّ المعاطف ثمّ راح مولّها * نشوان في تلك الصّبابة يعثر « 8 »
- متهتّكا في العاشقين ، كما ترى - * يبدي الذي يخفيه منه ويضمر .
- ولابن الجنّان أيضا مقطّعات في مثل ذلك « 9 » :
* ذكر العذيب فمال من سكر الهوى * صبّ على صحف الغرام قد انطوى « 10 » .
هامش
( 1 ) إذا وصلت إلى مثل تلك الحال هان عليّ بذل نفسي ( الاستغناء عن الحياة في هذه الدنيا ) .
( 2 ) الشطح : كلام على ظاهره رعونة ( خفّة وحمق وتصريح بما لا يجوز للعاقل أن يصرّح به ) . السكر : غيبة تحصل للصوفي إذا جاءه لطف من اللّه أخرجه من شعوره بما حوله .
( 3 ) الشذا : طيب الرائحة .
( 4 ) الشمائل جمع شمال ( بالكسر ) : الخلق ، السجيّة ، الصفة .
( 5 ) وافى : جاء ، وصل . فتى ( يقصد الشاعر نفسه ) : الرجل الذي يعتمد عليه . في حبّه متنكّر : ( يظنّ الناس أن حبّه مثل حبّهم - حبّهم ذلّ للمحبوب ، وحبّه اعتزاز باللّه ) .
( 6 ) مع أنّ حبّه في قلبه ( قريب منه جدّا ) ، فإنّه يتساءل عن هذا الحبّ ( لأنّه مستغرب عند البشر ) .
( 7 ) الحادي : سائق القافلة يغنّي للمسافرين كيلا يملّوا من طول الطريق . سرى : سافر ليلا . النشر : الرائحة المنتشرة ( الطيّبة ) . العنبر : مادّة طيّبة الرائحة . ليلى ( كناية عن العزّة الإلهيّة ) .
( 8 ) المعطف ( بالكسر ) : رداء واسع يلبس اتّقاء للبرد . والشاعر يقصد العطف ( بالكسر : الجانب الأعلى من الجسم ) . هزّ عطفه : افتخر وأعجب بنفسه ( لأنّ اللّه أنعم عليه بتقريبه - راجع البيت السابق ) . المولّه :
الذي يكاد يجنّ من شدّة الحبّ . نشوان : سكران . الصبابة : المحبّة . يعثر من الصبابة : إنّ المحبّة ( محبّة اللّه ) قد شغلته عن كلّ شيء حتّى أصبح يعثر ( يقع ) إذا مشى ( أي غافلا عن كلّ شيء آخر ) .
( 9 ) المعاني في القطع التالية صوفية تحتمل تأويلات مختلفة ( راجع القطعة السابقة ) .
( 10 ) العذيب : نبع ماء قرب ينبع ( بضمّ الباء ) . وينبع مرفأ المدينة المنوّرة .