قد خفّ موقعه لديه ، وربما * سمح النسيم بعطفه فتأوّدا « 1 » .
أغلى محلّ الشعر أنّ قصائدي * جعلت مديحك بالمعاني مقصدا .
خطبته تركب بطن كفّي منبرا ، * ودعتك تعمر ظهر كفّك مسجدا « 2 »
أبغي لديك العيش أخضر يانعا * فأجوب جنح الليل أسفع أسودا « 3 » ،
يقظان تحسبني الكواكب ناظرا * فيها أراقب للغزالة موردا « 4 » .
وإذا تكنّفني النهار لبسته * وهجا لفوحا أو سرابا مزبدا « 5 » .
- وكان لأبي بكر بن الملح ابنان شاعران . وكان أحدهما أبو القاسم أحمد قد اشتغل منذ مطلع شبابه بالزهد وكتب التصوّف . فقال له أبوه : يا بنيّ ، هذا الأمر ينبغي أن يكون في أواخر العمر . أمّا الآن فينبغي أن تعاشر الأدباء والظرفاء وتأخذ نفسك بقول الشعر ومطالعة كتب الأدب . فلمّا عاشر نفرا من الظرّاف زيّنوا له شرب الخمر ، فتهتّك في الخلاعة ثمّ فرّ إلى إشبيلية وتزوّج امرأة لا تليق به - كانت تضرب الدّف في الأعراس - فصار يضرب معها بالدفّ . فكتب إليه أبوه :
يا سخنة العين يا بنيّا * ليتك ما كنت لي بنيّا « 6 » .
أبكيت عيني ، أطلت حزني ، * أمتّ ذكري وكان حيّا .
حططت قدري وكان أعلى * - في كلّ حال - من الثريّا .
أما كفاك الزنا ارتكابا * وشرب مشمولة الحميّا « 7 » ،
هامش
( 1 ) العطف : الجانب الأعلى من الجسم ( الكتف ) . تأوّد : ماس ، تمايل .
( 2 ) قصائدي ( التي ألقيها من ورقة أحملها في كفّي ) تخطب ( تتكلم ) في فضائلك ( مدحك ) . وقصائدي ( حينما تذكر أنت فيها ) تملأ ظهر كفّك بالتقبيل ؟ ) .
( 3 ) اليانع : ( الثمر ) الناضج . الأسفع : الأسود .
( 4 ) الغزالة الشمس . المورد ( المطلع ) . أنا سهران في نظم مديحك طول الليل ( حتّى ليظنّ الناس أنّني أريد أن أرى الشمس كيف تطلع ) .
( 5 ) تكنّفني : أحاط بي ( وفي أثناء النهار ) أسير إليك ، سواء أكان اليوم وهجا لفوحا ( حارّا يلفح الوجه ) أو سرابا مزبدا : ماء كثيرا باردا ( ؟ ) .
( 6 ) سخنة العين : دامعة العين ( حزينة ) . يا بنيّا : يا ابني الصغير - ليتك لم تولد لي ( لم تكن ابنا لي ) .
( 7 ) الحميّا : الخمر .