فاستخرج ممّا وقع تحت نظره منها خمسة عشر بحرا أو وزنا . وبما أنّ بحور الشعر ترجع في الحقيقة إلى الايقاع ( حدوث النغم من تعاقب النقر على نسق مخصوص ) ، فإنّ كثيرا من الكلام الذي يأتلف مع ضروب الإيقاع المختلفة والمتعدّدة يجب أن يعدّ داخلا في الكلام الموزون المنظوم ، ولو لم يأت على أحد الأبحر الخمسة عشر التي اتّفق للخليل بن أحمد أن يستخرجها من الشعر العربيّ القديم . والذي يؤكّد هذا الحدس أنّ الأخفش الأوسط ( ت 215 ه - - 830 م ) قد استدرك على الخليل بن أحمد بحرا وزنه « فاعلن فاعلن فاعلن فاعلن » مرّتين وسمّاه المتدارك ( لأنّه تداركه :
لحق به بعد أن فات ذلك البحر الخليل ، أي سبقه ) . ثمّ إنّ الأخفش اشتقّ من المتدارك - بأن جعل من « فاعلن » تفعيلا آخر هو « فعلن » ( بثلاث حركات فسكون ) - بحرا مستقلا سمّاه الخبب ، لأنّ توالي لفظه يشبه خبب الفرس « 1 » .
فن التسميط
التسميط هو تنوّع القوافي والأوزان في المقطوعة الشعرية الواحدة .
بدأ ابن رشيق الكلام على « باب التقفية والتصريع » ( العمدة 1 : 149 ) بقوله :
« هذا باب يشكل « 2 » على كثير من الناس علمه ، ويلحقه عيب سمّاه قدامة « 3 » التجميع ، كأنّه من الجمع بين رويّين وقافيتين . ورأيت من يقول : التخميع - بالخاء ( المعجمة ) - كأنّه من الخمع « 4 » في الرجل » .
هامش
( 1 ) خبّ الفرس خببا : ( في القاموس ) أن ينقل الفرس أيامنه وأياسره جميعا في الركض ( والصورة ليست واضحة ) ولعلّ الخبب أن ينقل الفرس قائمتيه الأماميّتين معا وقائمتيه الخلفيّتين أو أن يخالف في نقلها ( القائمة الأمامية اليمنى ) « ثم الخلفية اليسرى ثمّ الأمامية اليسرى ثمّ الخلفية اليمنى » - وعلى كلّ فالخبب أشبه بالقفز منه بالركض المستمرّ . وفي تاج العروس ( الكويت 2 : 329 ) : « أو هو أن يراوح بين يديه ورجليه : أن يقوم على إحداهما مرة وعلى الأخرى مرة » .
( 2 ) أشكل الأمر : أصبح غامضا .
( 3 ) قدامة بن جعفر ( ت 337 ه - 948 م ) كاتب وأديب وناقد له كتاب « نقد الشعر » .
( 4 ) في القاموس ( 3 : 19 ) الخمع ( بالفتح ) : العرج .