الملك بن هذيل بن رزين ( الحلّة السيراء 2 : 113 ) يوازن بين ما تذيبه النار من جسم الشمعة المضاءة وما ينقص من حياة الإنسان تدريجا بفعل تناقص الأجل ( والصفراء : الشمعة ) :
ربّ صفراء تردّت * برداء العاشقينا .
مثل فعل النار فيها * تفعل الآجال فينا .
ومن ذلك أيضا قول ابن عبدون « 1 » :
فالدهر حرب ، وإن أبدى مسالمة ؛ * فالبيض والسمر مثل البيض والسمر « 2 »
ولا هوادة بين الرأس - تأخذه * يد الضراب - وبين الصارم الذكر « 3 » .
فلا تغرّنك من دنياك نومتها ، * فما صناعة عينيها سوى السهر .
ويتبع هذا الشعر ذا الاتّجاه الفلسفيّ الحكيم شعر ذو نفحة دينية لا يبلغ إلى أن يسمّى « زهدا » ، فالزهد عند المتصوّفين أن ينصرف الفرد عن التمتع بملادّ الحياة وهو قادر على الحصول عليها . أمّا الفقير الذي يظهر الكره للمال ، وأما العاجز الذي ينفر وينفّر من الشهوات ، وأمّا الخائب في الوصول إلى بعض مراتب الجاه فليسوا زاهدين .
وعلى كلّ حال ، فإنّنا نجد على بعض شعر هذا العصر نفحة دينية ، فإنّ الإنسان يرجع بين الحين والحين إلى نفسه يحاسبها ، فيتذكّر - في أثناء ذلك ، ربّه أو يذكر الموت أو يأسف على أنّه قد أضاع في بعض ما مضى من حياته وقتا ونشاطا كان
هامش
( 1 ) راجع ترجمة ابن عبدون ( ت 529 ) .
( 2 ) ( الفتيات ) البيض و ( الفتيات ) السمر تفعل في حياة الإنسان من المصائب ما تفعله البيض ( السيوف ) والسمر ( الرماح ) .
( 3 ) الهوادة : اللين والرفق والمحاباة . الصارم الذكر : السيف من الفولاذ . - إنّ فسوة اليد ( التي هي من جنس الإنسان ) كقسوة السيف ( الذي هو من غير جنس الإنسان ) ما دامت اليد هي التي تضرب بالسيف .