ورأيت سيل الخيل قد بلغ الزبي ، * ومن الفوارس أبحرا في أبحر « 1 » .
لم يفتحوا للرمي منهم أعينا * حتّى كحلن بكلّ لدن أسمر « 2 » .
فتسابقوا هربا ، ولكن ردّهم * دون الهزيمة رمح كلّ غضنفر « 3 » .
ما كان أجرى خيلنا في إثرهم * لو أنّها برءوسهم لم تعثر !
وجرت دماؤهم على وجه الثرى * حتّى جرت منها مجاري الأنهر ؛
والظاهر السلطان في آثارهم * يذري الرؤوس بكلّ عضب أبتر « 4 » .
ذهب الغبار مع النجيع بصقله * فكأنّه في غمده لم يشهر « 5 » .
أبو الحسين الخرقيّ
1 - هو أبو الحسين محمّد بن المظفّر بن عبد اللّه بن مظفّر بن نحرير ، ولد سنة 377 ه ( 987 م ) ، أمّه من بني الحارث بن كعب من بني تميم ، وهو مولى بني فهد . ويبدو أنّه كان جامعا لعدد من فنون الأدب حتّى روى عنه كثيرون منهم الخطيب التبريزي ( ت 502 ه ) . وكانت وفاته سنة 455 ه ( 1063 م ) .
2 - كان أبو الحسين الخرقي شاعرا رقيقا متين السبك جيّد المعاني بديع النظم .
وأكثر شعره الوصف والغزل . وفي شعره ألفاظ من علم الكلام والمنطق .
هامش
( 1 ) الزبية ( بضم الزاي وسكون الباء ) : الرابية . بلغ الشيء الزبى : ارتفع حتى غمر التلال ، كثر ، اشتد ( الأمر ) .
( 2 ) اللدن : ( الرمح ) اللين الذي يتثنى . الأسمر ( الرمح ) الذابل الجاف ( القاسي ) الذي ينثني ولا ينكسر .
- لم يكادوا يغمضون عينا ويفتحون عينا لتصويب نبالهم الينا ( كناية عن بعدهم عنا ، لأن التراشق بالنبال يكون إذا كان الجيشان بعيدا بعضهما عن بعض ) حتّى كحلن بكل لدن . . . حتى أصابتهم رماحنا في أعينهم ( كناية عن سرعة وصولنا إليهم ، لأن الجيشين إذا تشابكا تضاربا بالسيوف أو تطاعنا بالرماح ) .
( 3 ) رمح كل ( بطل ) غضنفر : أسد ( كالأسد ) ، قوي شجاع . - أرادوا أن يهربوا ولكننا اعترضنا طريقهم بالرماح ومنعناهم أن يهربوا ( لأننا قتلناهم ) .
( 4 ) في آثارهم : يتبعهم ( ويقتلهم ) . أذرى : نثر ، أطار ، أذرى الفارس الرؤوس : فصلها عن أبدانها ورماها أرضا . العضب : السيف . الأبتر : القاطع .
( 5 ) ان تراكم الغبار والدم على السيف ( لكثرة القتال به ، لأن صاحبه لا يجد وقتا لغسله وتنظيفه ) ذهب بصقله ( ملاسته ولمعانه ) . الغمد : قراب السيف ، بيته . شهر ( بالبناء للمجهول ) السيف : أخرج من قرابه للقتال به . ان هذا السيف لتراكم الغبار والدم عليه كأنه موضوع في غمده .