وجرت منهم الدماء بحارا ، * فجرت فوقها الجزائر سفنا « 1 » ؛
صنعت منهم وليمة عرس * رقص المشرفيّ فيها وغنّى « 2 » .
وحوى الأسر كلّ ملك يظنّ الد * هر يفنى وملكه ليس يفنى .
والمليك العظيم فيهم أسير * يتثنّى في الهمّ بل يتعنّى « 3 » :
يحسب النوم يقظة ويظنّ الش * خص طيفا ويحسب الشمس دجنا « 4 » .
رقّ من رحمة له الغلّ والقي * د عليه ، فكلّما رقّ أنّا « 5 » .
- وصفت العاطفة في نفر من المسلمين في أثناء الحروب الصليبية حتّى كان يتّفق أنّ بعضهم كان يرجم بشيء ممّا يقع وراء حجاب النفس الإنسانية ، فيقع أحيانا ما كان قد رجم به . ولعلّ هذه القوّة من الحدس قد جاءت من الاخلاص في الخوف على الإسلام - من الفرنجة الصليبيّين - ومن التشوّق إلى أمل وطيد في مستقبل المسلمين في الأرض قال ابن الأثير ( طبعة بيروت ، 11 : 497 ) في أخبار سنة 579 ( 1183 - 1184 م ) :
« . . . . وأخذ صلاح الدين حلب . . . . . ومن الاتّفاقات العجيبة أنّ محيي الدين بن الزكيّ قاضي دمشق مدح صلاح الدين ( الأيّوبي ) بقصيدة منها :
وفتحكم حلبا بالسيف في صفر * مبشّر بفتوح القدس في رجب !
فوافق قوله هذا فتح القدس في رجب سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة » .
وكان محيي الدين بن الزكيّ هذا شاعرا وخطيبا .
استردّ صلاح الدين القدس من الصليبيّين في يوم جمعة ، ولكنّ المسلمين لم يستطيعوا أن يصلّوا في المسجد الأقصى في ذلك اليوم لأنّ الإفرنج الصليبيّين
هامش
( 1 ) الجزائر جمع جزيرة - مجزورة : جثة مقطعة . - كانت جثثهم ( كالسفن ) تعوم على دمائهم التي كانت كالبحار .
( 2 ) المشرفي : السيف .
( 3 ) المليك العظيم : باليان بن بيرزان ( ابن الأثير ، بيروت 11 : 546 ) ، بودوان الخامس ( 1186 - 1192 م ) كان ملك المملكة اللاتينية في القدس . يتعني : يثقله الهم والتعب .
( 4 ) الطيف : الخيال . الدجن : الغيم ( الظلام ) .
( 5 ) الغل : طوق من حديد يوضع في العنق . القيد : رباط يوضع في اليدين أو الرجلين . رق ( الثانية ) : مشى بشيء من الصعوبة ! ( راجع القاموس 3 : 237 ) . أن تأوه ( من الألم ) والألف في « أنا » للتثنية ( أي أن الغل والقيد ) .