ما بينهما وتهاجيا . ثم قدم جرجان وأقام فيها مدّة على مداخلة الإسماعيلية والتعيّش في أكنافهم . وغادر بديع الزمان جرجان إلى نيسابور ( 382 ه ) حيث « نشر بزّه وأظهر طرزه » ، وأملى فيها على أحد الكتّاب أربعمائة مقامة ، فيما قيل . في هذه المدينة اتّصل بديع الزمان بأبي سعيد محمّد بن منصور أحد أعيان البلد ، ثم حرص على الاتّصال بأبي بكر الخوارزمي لينال شيئا من الحظّ الأدبي على يديه . ولكنّ الخوارزميّ لم يحسن استقبال بديع الزمان فأخذ بديع الزمان يراسله معاتبا ويطاوله متجرّئا عليه ، حتّى استفزّ قوم فجمعوا بينهما في مناظرة « 1 » ركب بديع الزمان في أثنائها سبيل التهجّم والقحة ( مع بوارق من الذكاء ) فحكم النظّارة له بالغلب على الخوارزمي .
وقد اغتمّ الخوارزميّ ثم جعل يطعن في مقامات بديع الزمان ، ولكنّه مات قبل أن يحول الحول على هذه المناظرة ، في سنة 383 ه ( 993 م ) .
وزار بديع الزمان سجستان ونال حظوة عند أميرها أبي أحمد خلف ابن أحمد ( توفي سنة 399 ه ) ، ولكنّه انتقل وشيكا إلى غزنة واستقرّ فيها حينا . ثمّ مات في هراة ، على نحو ثلاثمائة كيلومتر من غزنة شرقا ، قبل أن يجاوز الأربعين من العمر ، وذلك في 11 جمادى الآخرة سنة 398 ه ( 1007 م ) مسموما ، وقيل أصيب بالسكتة ودفن قبل أن يموت ، فسمع صوته بالليل فنبشوا عنه ولكنهم وجدوه ميتا من هول القبر .
2 - [ خصائصه الفنّيّة ]
كان بديع الزمان مقبول الصورة خفيف الروح قويّ النفس حلو الصداقة مرّ العداوة . ولكنّه كان ظاهر الأنانية والغرور . وكان عظيم التقى كثير التعصب لأهل الحديث والسّنّة شديد الميل على المعتزلة يحبّ العرب ويكره الشعوبيين ، لأنه عربي .
وبديع الزمان كان صافي الذهن قويّ الذاكرة سريع الخاطر يحفظ القصيدة الطويلة من مرة واحدة ، وينتهي من الرسالة أو الكتاب حينما يطلب ذلك منه بلا إبطاء . وربما بدأ بآخر سطر من الرسالة أو بآخر بيت من القصيدة ثم
هامش
( 1 ) راجع تفاصيل هذه المناظرة في رسائل بديع الزمان الهمذاني ( الجوائب ، ص 28 - 83 ) ؛ وفي معجم الأدباء ( 2 : 173 - 182 ) ؛ وفي النثر الفني لزكي مبارك ( 2 : 331 - 350 ) .