تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين — صفحة 673

مساهمون:

ص٦٧٣
فطرب الأمير وأمر لمغنيه بجائزة فاخرة ، وإنما ذكرنا هذا لتعرف مكانة الرجل من الأدب ، وقد أورد له ابن الأبار وغيره مقطوعات شعرية تدلّ على منزلة ابن الصائغ من القريض . وليس من شك أن ابن الصائغ تلقّى في صغره الأدب وخصوصا فنّ الترسّل عمّن كان في حاشية الأغالبة من كبار الكتاب أمثال أبي اليسر الشيباني ، ولا سيما من أبي محمد عبد اللّه المكفوف كبير اللغويين والنحاة في القيروان خلال القرن الثالث . ولا أدل على عناية ابن الصائغ وتشجيعه لأهل العلم من الخبر الذي أورده الزبيدي في ترجمة أبي محمد المكفوف ، فقد نقل إلينا حديثا دار بين هذا النحوي الشهير وبين أحد تلاميذه : " قال الشيخ أبو محمد : - أتدري كم وصل إليّ من ابن الصائغ صاحب البريد ؟ قال التلميذ : - لا أدري - قال : نحو من خمسمائة دينار سوى الخلع وقضاء الحوائج ، والبرّ والإكرام ، وما كان يسألني عن شيء إلا بعث في طلبي دابته وابنه من رقادة فكنت أصل إليه وأحضر مائدته ، وآكل معه يوم الجمعة " . والذي يهمنا أن ابن الصائغ كان من أعيان المتردّدين على " بيت الحكمة " كما تفرضه عليه وظيفته العالية ومنزلته المكينة من الأمير ، وكما يحتّمه عليه ميله القوي للأدب وتنشيطه للمنتسبين إليه . وقد شاطر ابن الصائغ مخدومه الأغلبي في أفراحه وأتراحه ، وشاركه بفكره وقلمه في مقاومة الدعوة الفاطمية التي كان يقودها أبو عبد اللّه الصنعاني في أطراف الإمارة ، حتى إذا ما انتصر داعي الشيعة وفرّ زيادة اللّه إلى طرابلس ، ركب ابن الصائغ البحر من سوسة وأراد الالتحاق بالمشرق فاضطرّت السفينة إلى الإرساء على طرابلس لاضطراب البحر ، فتمكّن زيادة اللّه من ابن الصائغ وأمر بقتله لأسباب نجهلها ، وذلك في آخر سنة 296 ه / 908 م ولم نعثر له بكل أسف على ترجمة وافية ولا على شيء من تحاريره النثرية التي اشتهر بها .