تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين — صفحة 671

مساهمون:

ص٦٧١
بها الأخباريون المتزلّفون لدولة العبيديين ، يكفينا شاهدا عنايته بالعلم وحرصه على جلب أعلام جلّة في الفلسفة والطب والأدب من عواصم الشرق الكبرى كبغداد والفسطاط ومن بلاد اليونان أيضا ، وإضافتهم إلى " بيت الحكمة " للدراسة والتعليم . ولا ننسى أنه وجه اهتمامه في مدّته القصيرة إلى معالم رقّادة فزاد فيها قصورا فاخرة ومنشآت أخرى نافعة حتى صارت رقّادة في الصف الأول من مدائن إفريقية ، مما جعل عبيد اللّه المهدي يقول عند حلوله بها : " رأيت ثلاثة أشياء بإفريقية لم أر مثلها بالمشرق " منها قصر ( البحر ) الذي بناه زيادة اللّه هذا ، وقد اتّخذ حذوه صهريجا للماء طوله خمسمائة ذراع وعرضه أربعمائة ذراع ، أنفق على إنشائه مائتين واثنين وثلاثين ألف دينار ، وأجرى إليه المياه المجلوبة من بعيد في القنوات ، كما ابتنى بجانبه قصرا آخر سمّاه ( العروس ) إلى غير ذلك من البناءات . ولا يبعد أنه أضاف غرفا جديدة إلى " بيت الحكمة " غير التي أنشأ جده إبراهيم . تولّى زيادة اللّه الإمارة في رمضان 290 ( يولية 903 م ) وتخلّى عن الملك حين هاجمته الجنود البربرية المنضمّة إلى داعي الشيعة أبي عبد اللّه الصنعاني ( 25 جمادى الثانية 296 ه / 20 مارس 909 ) وبالرغم من الاضطرابات الداخلية والقلاقل الواقعة في أيام حكمه فإنه كان يأنس لمجالسة العلماء والحكماء والأدباء الذين انتدبهم من العواصم العربية الكبرى . منهم الطبيب الطائر الصيت إسحاق بن سليمان الإسرائيلي ، وابن خنبس وغيرهما ، وكان وزراؤه - وفي مقدمتهم عبد اللّه بن الصائغ - من أجلّ أدباء عصره لكن الظروف القاسية التي أحاطت بولايته منذ اندلاع الدعوة الفاطمية واستيلائها بالتدريج على البلاد منعته لا محالة من إظهار كامل عنايته بالشؤون العلمية والإقبال على بيت الحكمة . وكان من أمره بعد انفصاله عن الإمارة أن قصد طرابلس ، ومنها سار إلى مصر وحاول الوصول إلى المقتدر باللّه الخليفة العباسي في بغداد ليمدّه بنجدة لمقاومة الفاطميين واسترجاع ملكه من المغتصبين ، فأتاه الإذن بالتوقّف إلى أن يأتيه الإذن ، فصار يتردّد بين مصر وفلسطين في ارتقاب المعونة ، وهيهات ! واستقرّ آخر بمدينة ( الرّملة ) ولم يأته شيء ، وطال به مقامه إلى أن وافاه أجله في خلال سنة 300 ه / 912 م - وقد دامت إمارة الأغالبة بإفريقية مائة واثنتي عشرة