فصكّت المهد غضبى فهي لافظة * بعضا على بعضهم من شدّة النّزق
وله في بقية نار :
كأنما نارنا وقد خمدت * وجمرها بالرماد مستور
دم جرى من فواخت ذبحت * من فوقه ريشهنّ منثور
وفي هذا المقدار كفاية .
ومنه يتضح أن في شعره إبداع واختراع يروق في آذان سامعيه .
ومن المناسب أن نورد هنا نموذجا من نثره ، فمن فصل له عقده عن تطوّر الموسيقى في الأندلس وانتقال ألحانها من عصر الفتح العربي إلى زمانه ، قال في الجزء الذي خصّصه للألحان .
" كان غناء الأندلس في القديم إمّا بطريقة النصارى ، وإمّا بطريقة حداة العرب ، ولم يكن عندهم قانون يعتمدون عليه إلى أن قامت الدولة الأموية ، وكانت مدّة الحكم الربضي ، فوفد عليه من المشرق ومن إفريقية التونسية من يحسن صنعة التلاحين المدنية ، وأخذ الناس عنهم ، إلى أن وفد الإمام المقدّم في هذا الشأن ( علي بن نافع الملقب بزرياب ) غلام إسحاق الموصلي على الأمير عبد الرحمن الأوسط ، فجاء بما لم تعهده الأسماع ، واتخذ السلطان طريقته ونسي غيرها إلى أن جاء ( ابن باجة
Avenpace
) الإمام الأعظم ، فاعتكف مدّة سنين مع جوار محسّنات ، فهذب " الاستهلال ، والعمل " ومزج غناء النصارى بغناء المشرق ، واخترع طريقة " الأجدالا " ( ؟ ) بالأندلس ، وقد مال إليها طبع أهلها ورفضوا ما سواها ، ثم جاء بعده ( ابن جودي ) و ( ابن الحمّارة ) وغيرهما فزادوا ألحانه تهذيبا واخترعوا ما قدروا عليه من الألحان المطربة ، وكان خاتمة هذه الصناعة ( أبو الحسن بن الخاسر ) المرسي ، فإنه أدرك فيها علما وعملا ما لم يدركه أحد ، وله في الموسيقى كتاب كبير في جملة أسفار ، وكلّ تلحين سمع بالأندلس والمغرب في شعر متأخّر فهو من صنعته . . . " الخ .
وهذا النص في تاريخ الألحان الأندلسية التونسية خطير ومن الأهمّية بمكان عظيم ، وقد أوردنا في البحث المخصص لتاريخ الموسيقى العربية في تونس