يوسف التيفاشي في جملتهم ، وأنا في سنّ الطفولة لا أدري ما يقولونه ، . . . غير أني أسمعه يذكر للوالد كتابا صنّفه أفنى فيه عمره ، واستغرق دهره ، وأنه لم يجمع ما جمعه فيه كتاب . . . وتوفّي الوالد - رحمه اللّه - في سنة 654 . . . وتوفّى شرف الدين التيفاشي بعده بمدة . . . " .
واشتهر التيفاشي بسعة العلم والرواية ووفرة الأدب والاطلاع الكبير على الكتب قديمها وحديثها ، وكان يقرض الشعر بسرعة غريبة ، وجلّ نظمه على الطريقة التي كان لها رواج في عصره من الاستغراق في التشبيه ، واستخدام التورية والجناس حسبما هو متعارف في القرون الوسطى الإسلامية ، وفي غضون مصنفاته يذكر التيفاشي قطعا كثيرة من شعره ، نورد منها هنا بعض المقطوعات على سبيل المثال ، من ذلك قوله :
ويوم سرقناه من الدهر خلسة * بل الدهر أهداه لنا متفضّلا
أشبّهه بين الظلامين غرّة * لحسناء لاحت بين فرعين أرسلا
ومنه قوله في ظهور الفجر وزوال الليل :
نبّه نديمك أن الديك قد صخبا * والليل قوّض من تخييمه الطّنبا
والفجر في كبد الليل السقيم حكى * سرّ المتيّم عن أجفانه غلبا
كأنه بظلام الليل ممتزجا * سمراء تفتر أبدت مبسما شنبا
كأنما الفجر زند قادح شررا * في فحمة الليل لاقى الفحم والتهبا
كأنّ أوّل فجر فارس حملت * راياته البيض في إثر الدجى فكبا
كأنّ ثاني فجر غرّة وضحت * تسيل في وجه طرف أدهم وثبا
ومن قطعة له في وصف الزلزال :
أما ترى الأرض في زلزالها عجبا * تدعو إلى طاعة الرحمن كلّ تقي ؟
أضحت كوالدة خرقاء مرضعة * أولادها درّ ثدي حافل غدق
قد مهّدتهم مهادا غير مضطرب * وأفرشتهم فراشا غير ما قلق
حتى إذا أبصرت بعض الذي كرهت * مما يشقّ من الأولاد من خلق
هزّت بهم مهدهم شيئا تنهنههم * ثم استشاطت وآل الطبع للخرق