عبد اللطيف البغدادي الطبيب الطائر الصّيت ، وتحوّل إلى دمشق وقرأ على تاج الدين الكندي ، ثم رجع إلى بلاده مملوء الوطاب فولّاه أبو زكرياء الأكبر - أوّل ملوك بني حفص - خطّة القضاء ببلده قفصة ، وبعد حين ترك الوظيفة وقصد المشرق ، وأصابته في هذه السفرة كارثة مفجعة أورد خبرها في إحدى تصانيفه المخطوطة ، قال :
" وجرى لي في المنام أمر عجيب في السّراج ، وذلك أني رأيت كأني جالس وبين يديّ ثلاثة سرج موقودة ، وإلى جنبي زوجتي وهي تنفخ على أحد السّرج لتطفئه ، فأدركني عليها غيظ شديد ونهيتها عن ذلك ، فألحّت في النفخ عليه ، فاضطربت وقلت لها : " إن اطفأته فأنت طالق ، فقامت ونفخت في السرج الثلاثة وأطفأتها ، ولم أكن قبل ذلك جرى على لساني للطلاق ذكر البتّة ، ولا حدّثت نفسي بطلاقها قطّ ، وكان لي منها ثلاثة بنين ، واتفق بعد هذه الرؤيا بأيام أن مرضت فماتت ، وركبت أنا وأولادي الثلاثة البحر ، ومعي مال طائل ، فعطبت السفينة في البحر وغرق البنون الثلاثة والمال جميعه ، ونجوت على لوح مسلوبا ، من الأهل والمال " .
وتجوّل التيفاشي في أنحاء المشرق ، فدخل العراق وبلاد فارس ، ثم عاد إلى مصر واستقرّ نهائيا بالقاهرة - حدود سنة 630 - واختلط بالطبقة العالية من الرؤساء وأعيان العلماء والأدباء من بينهم الصاحب محيي الدين محمد بن ندي القرشي ، وإليه قدّم بعض كتبه كما نذكره بعد ؛ ومنهم أبو الحسن علي بن سعيد الغرناطي المؤرّخ الأديب الأندلسي المشهور قال المقّري : " وجد بخطّ ابن سعيد في آخر جزء من كتاب ( المغرب ) ما نصّه : أجزت الشيخ القاضي الأجل أبا الفضل أحمد بن الشيخ القاضي أبي يعقوب يوسف التيفاشي أن يروي عني مصنّفي هذا وهو ( المغرب في محاسن المغرب ) ويرويه من يشاء ثقة بفهمه ، واستنادا لعلمه ، كتبه مصنّفه علي بن موسى بن سعيد في تاريخ الفراغ من نسخ هذا السفر " ومن أصدقائه في مصر جلال الدين المكرم بن منظور الإفريقي ، والد مصنف ( لسان العرب ) ، وقد عرّف هذا الأخير بالتيفاشي فقال : " . . . وقد كنت في أيام الوالد رحمه اللّه . . . أرى تردّد الفضلاء إليه . . . ورأيت الشيخ شرف الدين أحمد بن
العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين — صفحة 834
مساهمون: حسن حسني عبد الوهاب
ص٨٣٤