مشروع عجيب ، وهو جعل مدينة القيروان مرسى بحريا تصل إليه السفن والمراكب مثلما يصنع اليوم بالعواصم الكبيرة التي لا تبعد كثيرا عن ساحل البحر تسهيلا للمواصلات وترويجا للبضائع والمصنوعات ، ومن بين تلك المدائن مرسى تونس الذي حفر في العهد الأخير وصير عاصمة البلاد من أهمّ مرافئ المتوسط .
والذي يلوح من هذه الفكرة البديعة هو أن الأمر كان قابلا جدا للتنفيذ وأن تطبيقه كان سهلا ميسورا ، وبيان ذلك أن القيروان لا تبعد على ساحل البحر من ناحية هرقلية ( هرقلة الآن ) إلا بما يقرب من خمسين كيلومترا فقط ، والأرض الفاصلة بينهما وبين الشاطئ سهل منخفض تتوسّطه سبخة الكلبية تشغل نحو نصف المسافة ، فإدخال ماء البحر بطريقة هندسية من تلك الناحية وسوقه في قناة ( بوغاز ) متسعة بقدر ما يسمح للمراكب الشراعية الجواز إلى حدّ العاصمة لم يكن من الأمر الذي يستحيل تعاطيه لانبساط الأرض في طائفة وانخفاضها تحت سطح البحر في طائفة أخرى ، وكلّنا يعلم أن العرب لأول تملكهم البلاد المصرية فكّروا بل عزموا وشرعوا في حفر قناة السويس لإيصال البحر الأبيض المتوسّط ببحر القلزم ، فكيف كان يصعب عليهم أقلّ من ذلك في أوائل القرن الخامس حينما نضج رقيّهم واستيقظت هممهم للأعمال الكبيرة لا سيما وأن القطر الإفريقي كان وقتئذ في عنفوان حضارته وأن الملك المتقلّد الأمر هو المعز بن باديس ، واسطة عقد الأسرة الصنهاجية المتميّز من بين أفرادها علما وهمة وإقداما . ولا تنسى أنه إليه قدم أبو الطيب لائحة ما فكّر فيه من العمل .
ولو شاءت المقادير وعاش هذا المهندس المبدع وتمكّن من إبراز مشروعه من حيز الفكر إلى العمل والتطبيق - قبل الزحفة الهلالية بسنين - لتغير وضع البلاد وانقلبت قواعده الاقتصادية والسياسية والحربية ، ولبلغ سيره في سبيل الرقي المادي إلى ما لا نتوقّعه اليوم ، واللّه يفعل ما يشاء .
ولنختم ترجمة هذا العالم الفذ بقولنا أنه توفي خلال سنة 435 ودفن بمقبرة باب سلم ، وقد رثاه تلميذه الأديب أبو محمد عبد اللّه بن يحيى الشقراطسي بقصيدة يقول في مطلعها .
العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين — صفحة 831
مساهمون: حسن حسني عبد الوهاب
ص٨٣١