إنما درس اليوم عن عظمة التضحية وقداسة الحق . درس اليوم فحواه
أن التضحية قيمة بذاتها ، وأن الحق قيمة بذاته . . .
وهما لا يستمدان جدارتهما ومكانتهما مما يحرزان من نصر . أو يكتسبان
من مغنم وسلطة .
فالانتصارات والمغانم يظفر بها الباطل أحيانا ، ويحققهما الإذعان
أحيانا .
وإذن فالصفة المميزة للتضحية ، أنها التضحية وحسب . . والصفة
المميزة للحق ، أنه الحق وكفى . .
والمثوبة العظمى التي ينفرد بها أبطال التضحية وأبناء الحق ، هي
انتماؤهم العظيم للتضحية وللحق . .
أجل . . هذا هو الدرس الجليل الذي كان القدر يلقيه على الدنيا في
يوم كربلاء ، متخذا من حركة القتال وسير المعركة وسائل إيضاح . . ! !
فهو يدع الآلاف من فرسان ابن زياد يترنحون تحت ضربات ( اثنين
وسبعين ) لا غير من أنصار ( الحسين ) وأبناء الحق ، ليكشف - أعني
القدر - عن قدرته على إبادة ذلك الجيش لو أراد . . لكنه لا يريد ، لأنه
يعد هذه المعركة وذلك القتال لمغزى آخر يؤكد شرف التضحية وقداسة
الحق مستعليين بذاتيهما عن كل شئ حتى عن النصر والنجاح ! !
* * *
ولقد أبرزت بطولات كربلاء شرف التضحية على نحو باهر وجليل ،
حتى لنكاد نحسب أن الأقدار إنما أرادت ذلك اليوم بكل أهواله وتضحياته
لتؤكد شرف التضحية في وعي البشرية كلها ، ولتضئ بمغزاه ضمير
الحياة . .
من أجل ذلك ، اختارت لها في يوم كربلاء ، نماذج رفيعة ، بالغة
الرفعة . . وقضية عادلة ، بالغة العدالة . . ونضالا باسلا ، بالغ البسالة . .
أبناء الرسول في كربلاء — صفحة 148
مساهمون: خالد محمد خالد
ص١٤٨