لقد كانت تضئ إيمان الحسين وتستجيشه دوما ، تلك الكلمات
الصادقة التي قالها جده العظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( هلاك أمتي على أيدي أغيلمة من قريش ) .
وها قد جاء زمان الأغيلمة ممثلا وممثلين في يزيد ، وابن زياد ،
وما حولهما من بطانة الإثم والسوء . . ! !
وهناك حقيقة كان يدركها ( الحسين ) تماما ، ويدركها أبوه
( الإمام ) من قبله - هي أن بلاط معاوية وجيش الشام نفسه قد أفسحا
مكانا رحبا وعريضا لكثيرين من المتورين الذين تظاهروا بالإسلام
ليندسوا بين صفوفه مخربين ومدمرين .
فالإيمان الذي حمل ( الحسين ) لواءه ، وذهب شهيده كان لهذا كله ،
وبهذا كله ، إيمانا مستنيرا وواعيا ورشيدا .
كذلك نواجه من حصاد كربلاء ودروسها ، ذلك الدرس العظيم عن
عظمة التضحية ، وقداسة الحق . . فالقدر الحكيم ، يرتفع بالتضحية في
( كربلاء ) إلى أعلى مستوياتها المرموقة ، ويجعل منها ومن الحق ( قيمة
مطلقة ) تحقق ذاتها داخل ضميرها أولا . . ثم تعكس جلالها وسلوكها
على الزمان والمكان بعد ذلك . .
إنه يفصلها عن كل شئ عداهما ، حتى عن النصر ذاته . .
وهكذا رأينا اثنين وسبعين مقاتلا يصمدون لأربعة آلاف فارس يوما
بأكمله ثم يستشهدون جميعا بعد أن ينزلوا بعدوهم خسائر فادحة تمثلت في
زيادة أعداد قتلاه عن عدد أولئك المستشهدين .
كأنما أراد القدر أن يقول لنا : إن الدرس الذي أريد إلقاءه اليوم ،
ومن فوق منصة كربلاء الشاهقة ، لا يتمثل في قدرة القلة المؤمنة على
إحراز النصر على الكثرة الساحقة ، فطالما ألقيت دروسا من هذا الطراز .
أبناء الرسول في كربلاء — صفحة 147
مساهمون: خالد محمد خالد
ص١٤٧