كان أعبد أهل زمانه وأزهدهم . كان لا يأكل من الحقوق المنطبقة عليه مطلقا ، ولا يقبل من أحد الهديّة مطلقا حتّى حدّثني بعض الأجلّة ، قال : كنت جالسا عنده في إيوان الحضرة في النجف فجاءه رجل مجلّل محترم ، وأخرج كيسا فيه مائة أشرفي ، وقال بالفارسيّة : وحق أجدادك الطاهرين ، هذا من خالص مالي الطاهر من كلّ حقّ قد عيّنته هديّة لخرج داركم .
فلم يقبله ، فلمّا رأى شدّة إصرار الرجل قام وقلب قباءه ، وقال :
انظر ، مهدي ليس في قبائه جيب ، فما يصنع بالفلوس ؟ ! وذهب ودخل الحرم .
وحدّثني أبي - قدّس اللّه روحه - عن عمّه السيد العلّامة السيد صدر الدين ، قال : إن أحد رجال تبريز وأعيانهم الأجلّاء أهدى بنته للسيد مهدي عند أبيه المير سيد علي ، وعقد البنت للسيد مهدي ، وكانت ليلة الزفاف .
كنت معهم في زفافه ، فلمّا دخل ووقفنا مع أبيه ننتظر للموادعة بعد صلاة الركعتين ، فرأيناه خرج مسرعا ينادي أباه أن قف ولا ترح ، فنزل ووقف أمامنا وأنشأ طلاق الزوجة العروس ، فصاح به أبوه وقال : ما تصنع يا ولدي ؟ فقال : يا أبتاه : هذه العروس دنيا صرفا ومهدي لا يريد هكذا عروسا .
وخرج من الدار ، وراح على وجهه إلى المدرسة .
بالجملة ، رجعت البنت إلى دار أبيها ، لم يعهد منذ زمان عهد أصحاب الأئمّة بمثل ورع هذا السيد وزهده وعبادته . كان يبكي حتّى أشرفت عيناه على التلف ، فقال له الطبيب : إن البكاء يضرّ عينك ، فقال : ما أصنع بالعين إذا لم تبك ؟ ! وأخذ بالبكاء .
تكملة أمل الآمل — صفحة 115
مساهمون: السيد حسن الصدر
ص١١٥