يقرفها ( 1 ) التذكر ، لا يدملها إلا الجزاء كيلا بصاع وفاء ، لما اتصل أحد
بعجاج أقدامها ، ولا عد مثل أيامها ، ولكنها أخذت بأزمة الفضائل وأبت أن
تعلقها كف متناول ، أو يضرب فيها بسهم مخاصل ( 2 ) ، فجوذبت الأزمة
على كرهها ، فتمطت بها تمطي الراتع في لجامه ، والبازل في خطامه ، فلما
نظر الله إلى أنوفها قد شمخت ، وإلى شفاهها قد بذخت ، استوقفها بامرئ
لو عرفوا لغيره فضله كان مع أيديهم لهم باقي الدهر حربا ، فعركهم كعرك
السقاء وذللهم بعد إباء ، فذاقوا ( 3 ) غب الخطأ وطاعة السفهاء ، فرغمت معاطسها
وترعبلت ( 4 ) مجالسها ، فبعدا لمن أكل فريسته وحده ، وجحد الشريك
شركته ، وإن مثلنا ومثلهم لكما قال الأول :
كنا لأول ما خولته ( 5 ) سببا * فصرت رأسا ومن آتاكه ذنبا
لا يبعد الله إلا آنفا عطست * على المراغم سيمت خطة عجبا
لو أنها عرفت فضلا لذي رحم * داني المحلة لم يبعد لها نسبا
أضحى لها عضدا تغنى بها ويدا * تنفي بها الذل إما أغضبت غضبا
فقام إليه ابن عباس فقال : مهلا يا ابن الزبير ، لا تكن كالضبة ( 6 ) صالت
بحدها على ما لحقت من ولدها ، لا تجعل ذرب ( 7 ) لسانك [ 40 أ ] على من
أنطقك ، وبلاغة قولك على من سددك ، ولا تجن على نفسك جناية العنز
هامش
( 1 ) يقرفها : ينكأها .
( 2 ) الخصلة : الإصابة في الرمي .
( 3 ) في الأصل : " قد أبوا " .
( 4 ) في الأصل : تزعبلت ، والصواب " ترعبلت " ، أي تمزقت وتقطعت .
( 5 ) في الأصل : " حولته " .
( 6 ) في الأصل : " الضبية " ، والضبة أنثى الضب . انظر كتاب الحيوان للجاحظ ج 1 ص 196 .
( 7 ) في الأصل : " درب " .