ودخل مرة لفندق من فنادق فاس القريبة من القرويين ؛ فوجد بعض الأشراف العلميين يخدم في بيت له فيه صنعة الخرازة ؛ فقال له : « أي شيء تعمل هاهنا ؟ ؛ قم ! » . فقام وتبعه ، ففقد عقله في الحين ، ورمى حوائجه ، وبقي مجذوبا إلى أن مات . فكان الناس يرون أنه حمّله شيئا من السر ، فلذلك وقع له ما وقع ، وتأيد ذلك بظهور بعض الكرامات على يده .
[ 835 - استطراد بترجمة القاضي سيدي عمر بن عبد القادر الرندي ]
ومن أصحابه الملازمين لخدمته : الفقيه الخامل ، المتدرب في النوازل ، القاضي بحضرة فاس ؛ سيدي عمر بن عبد القادر الأندلسي الرندي .
وكان الرندي هذا يسكن بحومة العيون من فاس القرويين ، وكان فقيها له معرفة بالنوازل ، وله فيها تأليف جمع فيه فتاويه وفتاوي غيره .
أخذ الفقه عن شيخ الجماعة سيدي محمد بن عبد الرحمن الفلالي الحجرتي ، ولازمه مدة طويلة ، وكانت به أهلية للتدريس ؛ إلا أنه كان لا يدرس لضيق عبارته وانحباس لسانه . وكان السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن العلوي قد طلب من القاضي العلامة مولاي محمد المدغري العلوي أن يعين له بعض الفقهاء من أهل الخير والمسكنة ليوليه القضاء معه بحضرة فاس ، ويكون معينا له فيه ؛ فعين له الرندي هذا ؛ لخموله ومسكنته ؛ فولاه القضاء ، فكان فيه ذا حزم وعقد وإبرام ، لا يبالي بأحد ولو كان من أكبر أكابر القواد والحكام ، وبقي على ذلك غير ملتفت لمن يعارضه هنالك ، إلا أنه يلاحظ صاحب الترجمة ويتأدب بين يديه ، وينحاش بقلبه وقالبه إليه .
[ رجوع لترجمة الشريف العلوي ]
إلى أن توفي صاحب الترجمة أواخر محرم الحرام فاتح عام تسعين ومائتين وألف ، ودفن بهذا الخارج أسفل من ضريح سيدي أحمد حبيب ، قريبا منه . فتوفي بعده الرندي المذكور في سابع وعشري صفر الخير عام تسعين ومائتين وألف ، ودفن إلى جنب صاحب الترجمة ، وراءه ، وبني على كل واحد منهما قوس ، وكتب بقوس صاحب الترجمة في زليج ما نصه : « الحمد للّه وحده ؛ هذا ضريح الولي الصالح ، البركة الشريف ؛ مولاي التقي بن سيدي عبد الكبير العلوي . توفي - رحمه اللّه - ضحوة يوم الخميس سابع وعشري محرم الحرام فاتح عام تسعين ومائتين وألف » . ه .