البلاد ولا تنتفع به ، وسبب ذلك أن بعض وزراء عادلشاه وهو ملا محمد الخراساني استبعد وقوع ذلك لسعته وكثرة مائه وظن أنه يحتاج إلى عمل كثير لا يقدر عليه أحد من المخلوقات وغرم مالا كثيرا للملك عنبر إن قدر على ذلك ، فشرع فيه وساعده القدر فكمل العمل في خمسة أشهر ، وجعل له قنوات تجرى إلى البساتين والزراعات وكثر به النفع ، وكانت عمارته في سنة أربع وعشرين وألف ، واخترع الفضلاء لذلك تواريخ عديدة ، ومن ألطف ما قيل فيه « خير جارى » .
وأكثر من شراء الحبش ، وكانت التجار تجلبهم إليه ويتغالون في أثمانهم إلى أن كثروا جدا ، يقال إن جملة ما اشتراه من الذكور نحو ألفي حبشي ، وكان أول ما يشتريه يسلمه إلى من يعلمه القرآن والخط ثم إلى من يعلمه الفروسية واللعب بالسيف والعود والسهام إلى أن يتفرس في أنواع الحرب والحيل والخداع ثم يترقى ، وصاروا يترقون في المراتب ويتفاضلون في المناصب كل بمقدار سعيه واستحقاقه ومرتبته ، وكان له عتناء بإقامة الجماعة وأمور الدين ، وكان لكل أمير منهم فقيه يتعلم منه الفقه وأمور الدين ، وإمام يصلى به ومؤذن ، وجماعة يتدارسون القرآن ، وجماعة يذكرون اللّه تعالى ليلة الجمعة والاثنين ، وكان لكل أمير سماط مملوء بأنواع الأطعمة الفاخرة ؛ وبالجملة فإنهم وإن كانوا عبيدا حبشة فلم تكن العرب تفوقهم إلا بالنسب .
وقصده جماعة من مشاهير شعراء عصره من البلاد الشاسعة ومدحوه بأحسن المدائح ، وكان إبراهيم عادلشاه صاحب بيجاپور يظهر له العداوة والحسد ، وبلغ غاية جهده في اضمحلال هذا الرجل ، ومن عداوته له أنه لما عزم جهانگير بن محمد أكبر سلطان الهند لمقاتلته عهد إليه أن يبذل له في كل مرحلة مائة ألف هن - والهن - بضم الهاء الموحدة : دينار ذهبا - فأرسل جهانگير بعساكر وخيل وأفيال ضاق عنها الفضاء وجرى على
نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر — صفحة 302
مساهمون: عبد الحي بن فخر الدين الحسني
ص٣٠٢