فأدرك بها الشيخ محمد الأمكنكى ، فأجازه الشيخ بعد ثلاثة أيام ورخصه ، فرجع إلى الهند وأقام سنة ببلدة لاهور ، واغتنم صحبته فيها كثير من العلماء ، ثم ارتحل منها إلى دار سلطنة الهند دهلي ، واختار للإقامة القلعة الفيروزية التي كانت مشتملة على نهر كبير ومسجد عظيم ، فأقام هناك إلى وفاته .
وكان صاحب الأذواق والمواجيد كثير التواضع والانكسار ، وكان يجتهد في ستر أحواله وسيرته عن نظر الأغيار ولا يرى نفسه أهلا لمقام الإرشاد ، فإذا جاءه شخص يطلب الطريقة كان يقول : ليس عندي شئ من ذلك ينبغي لك أن تطلبه من غيرى فإذا لقيت أحدا من هذه الطائفة فنبّهنى عليه ، وكان بمعزل عن الدعوى ، يشتغل بخدمة الزوار واستمالة قلوبهم ، ولا يتكلم إلا عن ضرورة إلا في مسألة مشكلة من الحقائق فكان يوضحها حق الإيضاح لئلا يميل صاحبها عن النهج القويم ، وكان يمنع أصحابه عن القيام تعظيما له ويعد نفسه كأحد منهم ويحب المساواة معهم في سائر حالاته ، وكان يقعد فوق التراب من غير حائل تواضعا ومسكنة .
وكان ذا كيفية عجيبة وتصرفات غريبة بحيث إذا وقع نظره على شخص كان يتغير حاله ، وكان يحصل الذوق والشوق والكيفية المعهودة عند هذه الطائفة في أول صحبته ، ويجرى لطائف الطالبين بالذكر في أول التلقين ، وكان ذلك للكل على سبيل التعميم ، وكان على غاية الشفقة على الخلق حتى أنه قام ليلة في أيام البرد عن فراشه ، فلما عاد رأى في لحافه هرة نائمة فلم يرض بايقاظها وتحريكه إياها وقعد إلى الصبح متحملا لنكد البرد ، وصادفت إقامته في لاهور مجاعة فلم يأكل في تلك المدة شيئا ، فإذا حضر عنده طعام فرقه وقسمه على الجائعين ، ولما خرج من لاهور متوجها إلى دهلي رأى عاجزا في الطريق فنزل عن دابته وأركبه إياها وصار يمشى متقنعا لئلا يعرفه أحد ، ولما قرب إلى المنزل
نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر — صفحة 202
مساهمون: عبد الحي بن فخر الدين الحسني
ص٢٠٢