أنزله وركب بنفسه لئلا يطلع عليه أحد .
وكان غاية في رؤية قصور الأحوال واتهام النفس ، لا يميز نفسه عن العامة فضلا عن أصحابه ، قيل كان في جواره شاب يرتكب كل شئ من الفسق فكان يتحمله مع اطلاعه عليه فسعى خواجة حسام الدين الدهلوي أحد أصحابه في دفعه وتأديبه إلى الحكام فأخذوه وحبسوه ، فلما اطلع عليه غضب على صاحبه وقال : لم فعلت كذا ؟ قال : يا سيدي ! إنه فاسق لا يبالي يرتكب كل شئ ، فقال : أواه لما كنتم من أهل الصلاح والتقوى رأيتم فسقه وإلا فنحن لا نعرف الفرق بيننا وبينه فكيف نترك أنفسنا ونسعى به إلى الحكام ! ثم سعى في تخليصه وإخراجه من الحبس فأخرجوه ، فتاب وصار من الصلحاء ، وكان رحمه اللّه إذا صدرت زلة من أصحابه يقول :
إن هذه من زلاتنا ظهرت منهم بطريق الانعكاس ، وكان يختار الأحوط في العبادات والمعاملات ، ولذلك كان يقرأ الفاتحة خلف الإمام في الصلاة في ابتداء حاله لكثرة الأحاديث الواردة في قراءتها وقوة دليلها ؛ وهذه المذكورات نبذة من شمائله وقطرة من بحر خصائصه ، ولذلك ترى أن الناس انتفعوا به في مدة قليلة ، وما انتشرت هذه السلسلة المباركة في الهند إلا منه رضى اللّه عنه ، وما كان أحد يعرفها قبله ، وكان الشيخ محمد بن فضل اللّه البرهانپورى يقول : إنه كان معدوم النظير في قوة الإرشاد ، فإنه أرشد ثلاث سنين أو أربع ، وفي تلك المدة القليلة أنار الآفاق بلوامع إفاداته ، كما في زبدة المقامات للكشمى ، وذلك لأنه عاش أربعين سنة وبعد قدومه الهند لم يعش إلا أربع سنوات ، وفي تلك المدة القليلة بلغ أصحابه إلى أعلى مدارج الكمال حتى أنهم محوا آثار الطرق السالفة وغلبت الطريقة النقشبندية على الطرق الأخرى .
قال محمد بن فضل اللّه المحبي في خلاصة الأثر : إنه كان قدس اللّه روحه ونور ضريحه آية من آيات اللّه سبحانه ونورا من أنواره وسرا
نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر — صفحة 203
مساهمون: عبد الحي بن فخر الدين الحسني
ص٢٠٣