تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أعيان الشيعة — صفحة 223

مساهمون:

ص٢٢٣
عمر بن عبد العزيز ، على قديم ما بين البيتين من خلاف عميق وعداء وصراع في السياسة والنحلة . قال فيه : يا ابن عبد العزيز ، لو بكت العين * فتى من أمية لبكيتك غير اني أقول : انك قد طبت ، * وإن لم يطب ولم يزل بيتك ولو اني رأيت قبرك لاستحييت * من أن أرى وما حييتك وقليل ان لو بذلت ماء البدن * حزنا على الذرى وسقيتك وعلى بضعة أوتار من نفس هذه القيثارة الحزينة يعزف الرضي ألحانه في فنون شعره الأخرى في الحكمة والزهد والشكوى من الزمان وضياع الشباب ونزول الشيب ، حتى غزله ونسبه يفيضان بالأنين والتوجع والتألم . وشعره في الحكمة والزهد يكاد يعتمد اعتمادا خالصا على ثقافته العربية والآثار الاسلامية في معانيه وأفكاره ، وان خالطه شئ غير عربي فمما كان شائعا في عصره وقبل عصره من اثر الثقافات الأجنبية ، وفيما عدا ذلك فهو مستمد من القرآن الكريم والحديث الشريف وأقوال الصحابة والزاهدين ، ومن تجاربه الخاصة في حياته العربية الخالصة ومذهبه العربي في هذه الحياة . غزل الرضي وغزل الشريف الرضي ونسيبه عربيان خالصان ، يستوحيهما من العربيات الخالصات ، ومن البيئات العربية ، على الرغم من كثرة الإماء والجواري غير العربيات وذهاب الشعراء في التشبب بهن كل مذهب في عبث ومجون . والرضي لم يزل زلة واحدة ولم ينحرف به الطريق عن العفة والشرف والخلق الرفيع في هذا الباب ، وهو إذا تغزل فإنما يتغزل في العربيات من مثيلات أميمة ولمياء ، وهن من بيئات عربية في نجد أو في العراق أو في الحجاز ، وغاية عشقه وغزله أن يقول : عفافي من دون التقية زاجر * وصونك من دون الرقيب رقيب عشقت وما لي ، يعلم الله ، حاجة * سوى نظري ، والعاشقون ضروب وما لي يا لمياء بالشعر طائل * سوى ان أشعاري عليك نسيب ومذهبه في اختصاصه العربيات بالغزل واضح حين يدلنا على ذلك في بعض شعره إذ يفرق بين نجد العربية وبابل الفارسية ، فيقول في معرض النسيب : لواعج الشوق تخطيهم وتصميني * واللوم في الحب ينهاهم ويغريني هيهات بابل من نجد ، لقد بعدت * على المطي مرامي ذلك البين والرضى إذا تعرض لوصف الفتاة لا يذهب ، بعفته ، إلى أبعد من نضرة الوجه ونقاء الخد وصفاء البشرة وامتلاء الساعد والساق ، فإذا كان بينه وبينها لقاء فهما على هذا النحو : بتنا ضجيعين في ثوب الظلام كما * لف الغصينين مر الريح بالأصل طورا عناقا كان القلب من كثب * يشكو إلى القلب ما فيه من الغلل وتارة رشفات لا انقضاء لها * شرب النزيف طوى علا على نهل وكم سرقنا على الأيام من قبل * خوف الرقيب كشرب الطائر الوجل غير أن الرضي كثيرا ما يؤكد ان هذه اللقاءات ، على ما يبدو في ظاهرها من إرابة ، بعيدة عن الشبه ، وليس فيها غير عفيف القول وعفيف الفعل ، مما لا يمس الشرف بخدش ، ولا يؤثر في حسن الخلق بأثر : وظبية من ظباء الإنس عاطلة * تستوقف العين بين الخمص والهضم بتنا ضجيعين في ثوبي هوى وتقى * يلفنا الشوق من فرع إلى قدم وبيننا عفة بايعتها بيدي * على الوفاء بها والرعي للذمم فقمت انفض بردا ما تعلقه * غير العفاف وراء الغيب والكرم ثم انثنينا وقد رابت ظواهرنا * وفي بواطننا بعد عن التهم فهذه عفة عربية وتقوى عربية ، ووفاء عربي ، وذمة عربية لفتاته العربية ان يرعاها ويتمسك بها ولا يفرط فيها . وفيما عدا ذلك فغزل الشريف الرضي يفيض بآنات الألم ، ألم الفراق ، والشوق ، والحنين ، والذكرى . شكوى الزمان والى جانب ذلك كله نجد الرضي كثير الشكوى من الزمان ومن نوازله وخطوبه وغدره ، وأكثر من ذلك شكواه من المشيب وتفجعه على الشباب . إذ فاجأه الشيب وهو لم يزايل عتبات الصبا بكثير ، ففي شعره ما يدلنا على أن الشيب داهمه وهو في سن العشرين أو بعد ذلك بقليل : عجلت يا شيب على مفرقي * وأي عذر لك ان تعجلا فكيف أقدمت على عارض * ما استغرق الشعر ولا استكملا كنت أرى العشرين لي جنة * من طارقات الشيب ان أقبلا فالآن سيان ابن أم الصبا * ومن تسدى العمر الأطولا ولذلك نجده كثير الشكوى من الزمان ومما أنزله به من شيب باعد بينه وبين الشباب وقارب بينه وبين الموت وأغمض عنه عيون الحسان : لو دام لي ود الأوانس لم إبل * بطلوع شيب وابيضاض غدائر واها على عهد الشباب وطيبه * والغض من ورق الشباب الناضر وأرى المنايا ، ان رأت بك شيبة * جعلتك مرمى نبلها المتواتر لو يفتدى ذاك السواد فديته * بواد عيني بل سواد ضمائري ان أصفحت عنه الخدود فطالما * عطفت له بلواحظ ونواظر أما في الوصف فقد كان مجليا مبرزا فلم تكن شاعريته معبرة تعبيرا قويا عن مكنون نفسه ودخيلة عاطفته فحسب ، وانما كانت معبرة أيضا عن انعكاسا الصور الخارجية عليها مصورة لها تصويرا فنيا يدل على براعة المصور وروعة فنه . على أن الأمر الذي يثير التأمل حقا في شعره انما هو موسيقاه ، والذي يصيخ السمع أثناء قراءة شعر الرضي يجد انه كان يختار الايقاع الموسيقي المناسب ربما في غير وعي منه للفن الذي يقول فيه معانيه ويصوغ فيه أفكاره وخلجات نفسه ، فالتوافق الموسيقي بين الأوزان والمعاني سمة واضحة في قصائد الرضي بحيث يثير ذلك انتباهك وتأملك ويلفتك لفتا شديدا . عوامل صرفت الناس عن شعر الرضي وبعد هذه الوقفة غير المستانية مع الشريف الرضي وشاعريته ، أليس من الانصاف ان ندل على أنه من الواجب ان نقف معه وقفة طويلة ، تنصفه وتنصف شاعريته التي اشتغل عنها القدامى بالمتنبي وشعر المتنبي ،