تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أعيان الشيعة — صفحة 222

مساهمون:

ص٢٢٢
أجمعين ، والنظر في المظالم والحج بالناس ، وكانت كل هذه الأعمال لأبيه فصارت اليه في حياة أبيه سنة 380 ه وعمره لم يتجاوز الحادية والعشرين ، ثقة من السلطان ومن أبيه ومن عامة الذين ولى امرهم فيها ، واطمئنانا منهم إلى رجاحة عقله ووفرة ذكائه وحكمته ، مما جعل الثعالبي يصفه بقوله وهو اليوم أبدع أبناء الزمان ، وانجب سادة الطرق ، يتحلى مع محتده الشريف ، ومفخرة المنيف ، بأدب ظاهر وفضل باهر ، وحظ من جميع المحاسن وافر . وإذا أضفنا كذلك ما هو معروف من أسباب الصراع السياسي والاجتماعي حينذاك بين الفرس الذين استولوا على السلطان جميعه ، وبين العرب الذين أحسوا بضياع نفوذهم وهيبتهم . إذا أضفنا هذا وإذا استطعنا من زاوية أخرى ان نفسر سر تمسك الرضي بعروبته وسر تمكن هذه العربية من طريقته في التفكير والتعبير ، ذلك التمكن الذي يشبه القيد ، بحكم نسبه العربي الأصيل وثقافته العربية الخالصة ومنصبه العربي الطالبي ، والصراع السياسي الاجتماعي بين العرب والفرس . شعر الرضي مرآة تعكس شخصيته وتصور عصره وشعر الشريف الرضي هو المرآة التي تنعكس عليها كل الملامح السابقة فتكشف لنا بوضوح كل ما فيها من جوانب وتفصيلات ، وهو الذي يعطينا صورة صادقة لسمات شخصيته من ناحية ، وسمات عصره وبيئته وثقافته من ناحية أخرى بحيث يصلح الكثير من شعره ان يكون من الوسائل القيمة التي تعين على فهم كثير من احداث هذا العصر واخباره . وأول ما يطالعنا في هذا الشعر ، في قوة ووضوح ، هو أرستقراطية الشريف الرضي العربية التي تحدثنا عن أسبابها ومقوماتها ، وهي تطالعنا في الفنون والأغراض التي طرقها ، واهم هذه الفنون في ديوانه دون شك : الفخر والرثاء . اما الفخر فيعتمد عنده قبل كل شئ على هذه الأرستقراطية العربية التي تجري في دمه ، ثم على منزلته ومنزلة بيته في المجتمع الاسلامي ، ثم على الصفات العربية التليدة المأثورة ، من شجاعة واقدام وعدم مبالاة بالأخطار وبالموت ، ومن كرم ونجدة وإغاثة ، ومن وفاء وحسن جوار ولطف معاشرة ، ومن حلم ووقار وقوة احتمال وعفة في القول والعمل . . . ولا عجب ان يكون الفخر من الفنون المبكرة جدا في حياته الفنية ، إذ نجد في ديوانه قصيدة في هذا الغرض ، قالها وله عشر سنين منها : المجد يعلم أن المجد من أربى * ولو تماديت في غي وفي لعب اني لمن معشر ان جمعوا لعلي * تفرقوا عن نبي أوصى نبي ومن القصائد الرائعة في هذا الباب ، وهي تجمع كثيرا من مقومات فن الفخر عنده من حيث المعاني والصياغة إلى جانب طول نفسه فيها قصيدته التي يقول فيها : لغير العلى مني القى والتجنب * ولولا العلى ما كنت في الحب ارغب ملكت بحلمي فرصة ما استرقها * من الدهر مقتول الذراعين أغلب فان تك سنى ما تطاول باعها * فلي من وراء المجد قلب مدرب وللحلم أوقات ، وللجهل مثلها * ولكن أوقاتي إلى الحلم أقرب ولا اعرف الفحشاء الا بوصفها * ولا انطق العوراء والقلب مغضب لساني حصاة يقرع الجهل بالحجى * إذا نال مني العاضة المتوثب وديوان الشريف الرضي يضم بين دفتيه قصائد في المديح ، يمدح بها بعض الملوك والحلفاء في عصره ، ولكن أغلب مدائحه في أبيه وفي أهل بيته ، وهي ألصق بفن الفخر لأنه إذا مدح أباه أو أهل بيته فهو انما يفخر بهم وبنسبه ، وحتى إذا مدح الخليفة أو غيره ، فهو انما يتخذ ذلك تكئة يعتمد عليها ويتوسل بها إلى الفخر فيقول للخليفة القادر : عطفا أمير المؤمنين فإننا * في دوحة العلياء لا نتفرق ما بيننا يوم الفخار تفاوت * أبدا ، كلانا في المعالي معرق الا الخلافة ميزتك ، فإنني * أنا عاطل منها وأنت مطوق الرثاء في شعر الرضي وأما الرثاء فهو القيثارة المحببة لدى الرضي ، يعزف عليها ألحانه الشجية الحزينة كلما مات فرد من أقاربه وأهل بيته ، سواء في ذلك صغيرهم وكبيرهم ، الذكر منهم والأنثى ، بل تستبد به هذه النزعة الأرستقراطية العربية فتأخذه اخذا إلى الوراء في مواضي الليالي وسوالف الأيام ليفيض من هذه الألحان الباكية على من رحلوا من أهل بيته الأبعدين والأقربين . لا سيما الحسين بن علي ، الذي رثاه أكثر من مرة ، وبكاه بكاء حارا بدمع ساخن مدرار . الرضي رثى الشيعي وغير الشيعي والعربي وغير العربي والمسلم وغير المسلم وأغلب الظن ان نفس هذه النزعة هي التي كانت تملي عليه ان يكون وفيا ، فيمسك بنفس القيثارة ، وما أسرع ما كان يمسكها ، ليبكي أناسا آخرين من غير أهل بيته ، تربطهم به علاقة الصداقة أو الزمالة في العلم أو في الشعر ، أو استأذتهم له . ومن حق الرضي ان نسجل له في هذا المقام صفة مهمة في شخصيته هي تحرره من كل عصبية ، وخاصة في باب الصداقة أو باب الزمالة في الأدب والعلم ، إذ لم يكن يفرق في هذا المجال بين شيعي على مذهبه وغير شيعي ، ولا بين عربي وغير عربي ، بل لم يكن يفرق بين مسلم وغير مسلم ، حين بكى صديقه أبا إسحاق إبراهيم بن هلال الصابي ، وهو على دين الصابئة ، على حين كانت تجمع بينهما صناعة الأدب وكانت بينهما مراسلات بالشعر والنثر . وقصيدة الرضى في رثاء الصابي تعد من أروع قصائده في الرثاء ومطلعها : أعلمت من حملوا على الأعواد * أرأيت كيف خبا ضياء النادي جبل هوى لو خر في البحر اغتدى * من وقعة متتابع الأزباد ما كنت اعلم قبل حطك في الثرى * ان الثرى يعلو على الأطواد ولقد رثاه الشريف بأكثر من قصيدة ، ولم يعبأ بما وجه اليه من لوم في ذلك . ولعله ليم كذلك على رثائه الحسين بن أحمد بن الحجاج الشاعر الماجن المشهور ، لبعد ما بينهما في السلوك والخلق ، بقصيدة يقول فيها : ليبك الزمان طويلا عليك * فقد كنت خفة روح الزمان ومما يؤكد هذه الصفة ، وهذه الروح في الشريف الرضي انه رثى