تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أعيان الشيعة — صفحة 221

مساهمون:

ص٢٢١
ان يكون الخلفاء والملوك تصله منهم بعض الصلات وخصوصا صديقه الحميم الطائع ، لكن لا بالطريقة التي كان ينتحيها سائر الشعراء فتكون الصلات هي هدفهم الوحيد في المديح وإذا لم يصلوا إلى هذا الهدف لجأوا إلى الهجاء والذم بالحق والباطل ، فالشريف الرضي كان منزها عن هذه الطريقة ، فهو يقول في الطائع : رأي الرشيد وهيبة المنصور في * حسن الأمين ونعمة المتوكل نسب إليك تجاذبت أشياخه * طولا من العباس غير موصل هذي الخلافة في يديك ذمامها * وسواك يخبط قصر ليل أليل شعره في الرثاء وهو يشبه شعره في المديح وجله كان وفاء لأصدقائه ، بعيدا عن الطمع بالصلات . وقالت مجلة العربي : بعد أن توفي أبو الطيب المتنبي في سنة 354 ه ، وكان في حياته مالئ الدنيا وشاغل الناس ، ظلت اخباره الكثيرة وأشعاره الوفيرة شغلا شاغلا لكثير من العلماء والنقاد والكتاب يستقصون هذه الأخبار في تصنيفها وشرحها وتفسيرها ، ويتجادلون في ذلك ويتمارون مراء شديدا . وكان أبا الطيب كان على علم بما سيكون من بعده حين قال : أنام ملء جفوني عن شواردها ويسهر الخلق جراها ويختصم في هذه الفترة ، وبعد وفاة أبي الطيب بخمس سنوات ، ولد ببغداد أبو الحسن ، محمد بن الحسين بن موسى ، الملقب بالشريف الرضي . الذي يتصل نسبه بموسى الكاظم والحسين بن علي بن أبي طالب ، ولذلك يعرف بالموسوي . نشأ الرضي ، ذو الحسبين كما لقبه الملك بهاء الدولة بن عضد الدولة البويهي سنة 369 ه في بيت يتسم بالمجد والشرف والحسب والنسب ، فنال من ذلك كله حظه فيه ، واخذ نفسه في سن مبكرة بما يأخذ به أمثاله أنفسهم من الانصراف إلى التعلم وحفظ القرآن والحديث ودراسة الفقه الاسلامي والشعر والنثر ، فتتلمذ على نفر من جلة العلماء وأفاضلهم في ذلك العصر من أمثال أبي سعيد السيرافي ، وأبي الفتح عثمان بن جني ، وأبي علي الفارسي ، والقاضي عبد الجبار ، وأبي بكر الخوارزمي وغيرهم ممن يبلغ عددهم بضعة عشر أستاذا ، تلقى على أيديهم علوم العربية والعلوم الاسلامية المختلفة . وتشير الأخبار إلى أنه بكر تبكيرا شديدا في حضور جلسات العلم والعلماء وأظهر فيها نجابة ملحوظة ، حتى ليروى انه احضر إلى أبي سعيد السيرافي ، العالم النحوي المشهور ، وهو صبي لم يبلغ عمره عشر سنين ، فلقنه النحو . وكان السيرافي ، والحاضرون يعجبون من ذكائه وحدة خاطره . كما يروى انه تلقن القرآن في سن مبكرة فحفظه في مدة يسيرة ، ثم درسه دراسة أمكنته من أن يصنف بعد ذلك كتابا في معاني القرآن الكريم يوصف بأنه يتعذر وجود مثله . ودل على توسعه في علم النحو واللغة . وصنف كتابا في مجازات القرآن فجاء نادرا في بابه . ويقول محقق الكتاب الأخير انه يقوم في التراث العربي الاسلامي وحده شاهدا على أن الشريف الرضي خطا أول خطوة من التاليف في مجازات القرآن واستعاراته تأليفا مستقلا بذاته ، ولم يأت عرضا في خلال كتاب ، أو بابا من أبواب مصنف . هذه الشواهد تدلنا في سرعة على أن الشريف الرضي امتاز بشخصية جادة في الحياة اخذت نفسها اخذا شديدا بأسباب الجد في الدرس والعلم والتحصيل ، وذلك في السن التي يكون فيها أضرابه وأترابه في العمر لا يزالون يلعبون لعب الصبية ويلهون لهو من لم يشبوا عن الطوق . يواكب ذلك النبوع والذكاء في هذا التطور من حياة الرضي ملكة مبكرة وموهبة فنية نادرة ، تلك هي شاعريته المصقولة المهذبة النامية ، التي تؤكد الروايات والأخبار انها بدأت تؤتى ثمارها من الشعر بعد أن جاوز عشر سنين بقليل . ونحن نقرأ شعره هذا الذي تنص الروايات على أنه من أوائل أشعاره فنجده شعرا ، رصينا قويا لا تنقصه أسباب الصقل والتهذيب ، ولا يقل في جودته عن شعره المتأخر من حيث النسج والصياغة والبناء . هذه الموهبة الفنية ظلت تفيض في حياة الرضي وهي حياة ليست طويلة ، حتى ملأت ديوان شعر كان يوصف في عصره بأنه ديوان كبير ، يدخل في أربع مجلدات ، وبأنه مشهور بين الناس كثير الوجود . . . وحتى اتفق النقاد والعلماء على أن الرضي أشعر الطالبيين من مضى منهم ومن غبر . على كثرة شعرائهم المفلقين . ولو قيل إنه أشعر قريش لم يجاوز ذلك الصدق ، لأن قريشا كان فيها من يجيد القول ، اما الشعر فقل في قريش مجيدوه ، فاما المجيد المكثر فليس الا الشريف الرضي . وهذه الشاعرية الفياضة المبكرة لا ينبغي ان ننسى انه كان بجانبها عقلية دارسة فاحصة أنتجت دراسات قيمة في القرآن والحديث والنقد والبلاغة والتاريخ ، نذكر منها بالإضافة إلى كتابيه السابقين في معاني القرآن ومجازات القرآن ، المجازات النبوية ، وخصائص الأئمة ، واخبار قضاة بغداد ، وسيرة والده ، وحقائق التأويل في متشابه التنزيل ، وكتاب رسائله ، والحسن من شعر الحسين بن الحجاج ، ونهج البلاغة الذي جمعه من كلام الإمام علي بن أبي طالب . وتطالعنا في عقلية الرضي ، كما تطالعنا في شاعريته ، خاصة واضحة تبدو بجلاء فيما وصل الينا من كتبه ، هي حريته في التفكير واستقلاله في الرأي وانطلاقه في التعبير عما يرى ويستقر رأيه عليه ويناقش في حرية وغير تعصب آرائه وآراء غيره ، لا يقيده في ذلك كله ، سواء في شعره أو في نثره ، غير قيد واحد ، ان صح ان يكون تمسكه بعروبته وأصالته العربية قيدا . لا جرم ، فالرضي من أشرف العرب نسبا ، واعتزازه بعربيته واعتداده بتفكيره العربي امر واجب مقدس في نظره ، يفرضه عليه نسبه العربي العريق ، كما أن ثقافته العربية الخالصة التي تعتمد على مصادر عربية اسلامية صافية من القرآن والحديث وتاريخ العرب وتراثهم في النثر والشعر جميعا ، ونفوره من الثقافة الأجنبية التي انحدرت في محيط الثقافة العربية ، كل ذلك جعلنا نحكم على ثقافته ونصفها بأنها ثقافة دينية عربية وانها ليست فلسفية أو علمية أو أجنبية . وإذا أضفنا إلى ذلك أن الرضي كان من الرواة العرب المعدودين البارزين في المحيط العربي والمجال الاسلامي ، بما كان يليه من أمور العرب وأمور المسلمين ، حيث صارت اليه ولاية نقابة الطالبيين والحكم فيهم