وهو منزل في طريق مكّة ، وكان موصوفا بالشجاعة البارعة ، والفروسيّة الحسنة ، ورد بغداد في أيّام نقابة أبي عبد اللّه بن الداعي ، وكان قديما يتعرّض الحاج ويطالبهم بالخفارة ، فان أعطوه وإلّا أغار عليهم ، وكان كأنّه صاحب طرق بتلك النواحي ، لا يناله يد ولا يتسلّط عليه سلطان ، إلّا أنّه لم يدع إلى مذهب ، ولا ادّعى إمامة .
ثمّ تاب عن ذلك الفعل ، ودخل الحضرة ، وطرح نفسه على النقيب أبي عبد اللّه بن الداعي ، وسأله مسألة معزّ الدولة بن بويه في تقليده إمارة الموسم من مدينة السلام إلى الحرم وإقامة الحجّ ، فأوجب ابن الداعي قصده إيّاه وزمامه وسأل معزّ الدولة ، فقال له : أنا مقلّدك ذلك ، وأسأل الخليفة أن يعقد لك عليه ويخلع عليك ، فان شئت فاستخلف أنت هذا الرجل ، فأنا لا أعرف هذا ، وهو رجل من أهل البادية وبالأمس كان لصّا ، فان جنى جناية على القافلة إلى أيّ شيء نرجع منه ؟
فقال أبو عبد اللّه بن الداعي : أمّا أنا فلا أتقلّد هذا ، فان رأى الأمير أن يجيب شفاعتي في أن يقلّد الرجل وأنا أضمن له دركه وجناياته ، فقلّده ذلك صارفا لأبي عبد اللّه العلوي الكوفي ، وعقد له وخلع عليه ، وحجّ في تلك السنة على أحسن حال وآمن ممّا يخاف ، وما حمد الحاج « 1 » واليا كما حمدوه قبله ولا بعده سنين .
وحكى القاضي أبو علي المحسن بن علي بن محمّد التنوخي في كتابه المذكور أنّ رجلا كان يعرف بأبي الحسين بن شاذان بن رستم السيرافي الفارسي ، وكان يكاشف بالالحاد إذا أمن على نفسه ويظهر الإسلام ، فخرج متّجرا على الموسم ، وأظهر أنّه يريد الحجّ ، فاعترض تلك السنة المليط القافلة ، ومنع الناس من السير إلّا بخفارة ، ومنعه أمير القافلة من ذلك ، فهمّ بالغارة عليها ، وتحدّث الناس بذلك .
هامش
( 1 ) في العمدة : الحجّاج .