معه ، وكانوا على من ظلمه ، وقد قال صلّى اللّه عليه واله بعد مبعثه : لقد شهدت في دار عبد اللّه بن جدعان حلفا ما أحبّ أنّ لي به حمر النعم ، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت ، وقد تقدّم تفصيله في أوّل الكلام على أنساب بني هاشم ، فراجعه . ولا نعني بالحرّية التي تعاقد المسلمون عليها إلّا ذلك .
وثانيها : قولهم انّ الحرّية تكون سببا لتعطيل حدود اللّه تعالى .
والجواب عنها : تطعيل الحدود عندنا حاصل قبل الحرّية ، وإقامتها متوقّفة على وجود من يقيمها ، فإذا حضر أقامها ، وهي لا تنافي الحرّية ، ومن الحدود القصاص ، وقد قال تعالى
وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
« 1 » والأحرار لا ينفون هذه الحياة ، ولا يعطّلون مثل هذا الحدّ ، إلّا عند تعذّر البيّنة ، وهذا حكم اللّه لا غير ، وقد ذكرنا لك آنفا أنّ المراد بالحرّية كفّ الأذى عن الغير ، وأمّا من ظلم نفسه فله على نفسه بصيرة ، بعد علمه بقوله تعالى
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
« 2 » .
وقد بلّغ الرسول
وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ *
« 3 » فإذا كان الناس منه في راحة ولم يصل إلى الناس شرّه ، فالناس في غنى عن خيره ، ومن لا زاجر له من نفسه يفعل ما يضرّ به نفسه ، ونحن مرادنا رفع ضرر الغير عن الناس ، لا رفع ضرر الإنسان العاقل عن نفسه مع علمه بالضرر ، كشارب الخمر مثلا إذا علم أنّه حرام ، وسوف يعاقب عليه ، ويفعله فقد أضرّ نفسه ، سواء كتمه أو أعلنه ، وعند إعلانه لا يسعنا إقامة الحدّ عليه ، لما تقدّم من أنّ الذي يقيم حدود اللّه تعالى غير حاضر ، فهي عندنا معطّلة لا محالة .
هامش
( 1 ) البقرة : 179 .
( 2 ) الزلزلة : 7 - 8 .
( 3 ) النور : 54 ، العنكبوت : 18 .