وكان إذا سهر بعض الليالي أحضرني لديه ، فنتسامر معاً شطراً من الليل ، فكنت احدّثه بما رأيت من حوادث بغداد الغريبة ، وبما سمعت من الوقائع العظيمة ، فكان يزداد بي انسا ، وعرض يوما عليّ مذهبه ، وأمرني بموافقته ، فوافقته .
فبينما أنا ذات يوم بخدمته إذ نظر إليّ ، وقال : يا علي انّ نسلي منحصر بابنتي فلانة ، وقد خطبها وجوه البلد وأعيانهم ، فكرهت أن ازوّجها من أحدهم ، وقد عنّ لي أن ازوّجها منك ، فاستعظمت الأمر ولم أحر جوابا ، فقال : يا علي ما لك لا تتكلّم ؟
فقلت : أعزّ اللّه السلطان أنا رجل غريب ، وحرفتي الخياطة ، ولا يعرفني أهل البلد إلّا بعلي الخيّاط ، وان زوّجتني من ابنتك تكلّم الناس ، وانتشرت القالة في البلد بأنّ السلطان زوّج ابنته من علي الخيّاط ، وذلك لا يليق بمثلك ، فإن كان لابدّ من ذلك ، فأدخلني في حاشيتك ، واجعلني من أهل مشورتك ، لأكون لك بمنزلة الوزير ، حتّى يعرفني الناس بذلك ، فإذا زوّجتني بابنتك بعد ذلك ، قال الناس : انّ السلطان زوّج بنته من وزيره ، وذلك أليق من أن يقال : انّ السلطان زوّج ابنته من رجل خيّاط ، فاستحسن كلامي وصوّبه .
ثمّ انّه أدخلني في أمره ، وجعل لا يحلّ ولا يعقد إلّا عن رأيي ، حتّى اشتهر أمر السلطان أنّه لا يفعل شيئا إلّا ما اصوّبه له ، فكان الناس بعد ذلك إذا أرادوا السلطان بدأوا بي حتّى خواصّه وأقاربه ، فاشتهر أمري ، وعظم ذكري ، وصرت بعد السلطان أنا المشار إليه بالبنان ، فعبرت على ذلك برهة من الزمان .
ثمّ انّي تزوّجت بابنته ، وصرت عين أهل بيته ، فكان الناس بعد ذلك يعتقدون بأنّ أمر البلد بعد موت صاحبه صائر إليّ ؛ لأنّي يومئذ بعد السلطان أقواهم مالا ، وأكثرهم رجالا ، والمقتضي موجود والمانع مفقود ، فكان الأمر كذلك .
فلمّا قضى صاحب البلد نحبه ، اجتمع أهل البلد عليّ ، وصار أمرهم ونهيهم إليّ
مناهل الضرب في أنساب العرب — صفحة 336
مساهمون: السيد جعفر الأعرجي
ص٣٣٦