تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهل الضرب في أنساب العرب — صفحة 335

مساهمون:

ص٣٣٥
التي اعدّت له ، وجعل صاحب اليمن يباشر خدمات الوزير بنفسه ، ولم يبارحه إلّا إذا أراد النوم وأخذ مضجعه . فبينما ظهير الدولة ذات ليلة جالس ، وصاحب اليمن جالس إلى جانبه يسامره ويؤانسه ، إذ سأله فقال له : أيّها النقيب الشريف هل تعرفني ؟ فقال النقيب : نعم انّي أعرفك رجلا كريما ، عالي الهمّة ، غريز النعمة ، كريم النفس ، مكرم الضيف ، وقد صنعت معي ما لم يصنعه إلّا نجيب مثلك . فقال : أنا ما أردت مثل هذه المعرفة ، وإنّما أردت أن أعلمك بأنّي أنا عبد عبدك الفتى البغدادي علي الخيّاط الذي اتّصل بخدمتك في طريق مكّة في سنة كذا . وكان النقيب مضطجعا ، فاستوى جالسا وقال : باللّه عليك أنت ذاك ؟ قال : أنا هو وربّ الكعبة ، قال النقيب : فحدّثني بحديثك ، وكيف بلغت إلى هذا المقام ؟ فقال الخيّاط : أتذكر يوم رحلت من عرفات إلى منى ، وأنا أقود زمامة ناقتك ؟ قال النقيب : نعم هو اليوم الذي فارقتنا فيه ، فقال الخيّاط : بينما أنا أسير أمام الهودج وزمام الناقة بيدي إذ سمعتك تنشد وتقول :
إلى متى تتبع الرجال فلا * تتبع يوما لُامّك الهبل ما أبعد المكرمات عن غيره * على نوال الرجال تتّكل
فأثّر البيتان في قلبي ، فتركت خدمتك ومضيت لوجهي ، فقال النقيب : ما قصدت بهما شيئا ، ولكن جريا على لساني ، فحدّثني بما بعد ذلك . قال : نعم ، ثمّ انّي ارتحلت مع قافلة اليمن حتّى انتهيت إلى هذه البلدة ، فأقمت بها ، وجعلت أشتغل بحرفتي وهي الخياطة ، ولم يكن يومئذ من يجيد الخياطة مثلي ، فعلى ذكري ، واشتهر أمري ، حتّى اتّصل خبري بصاحب البلد ، فأحضرني لديه ، وعيّن بيتا من بيوته ، واختصّني بخياطة ثيابه ، وأمرني بتعليم الخياطة لبعض غلمانه .
مناهل الضرب في أنساب العرب — صفحة 335 | السيد جعفر الأعرجي / السيد مهدي الرجائي