[ حكاية على البغدادي الخيّاط ]
فيحكى أنّ النقيب ظهير الدولة خرج في أيّام وزارته إلى حجّ بيت اللّه الحرام ، وحجّ معه في تلك السنة جماعة من وجوه أهل العراق ، فاتّصل به شابّ خيّاط من أهل بغداد اسمه علي ، وجعل يباشر خدمة النقيب بنفسه .
فبينما الوزير يسير من عرفات إلى منى في هودجه ، وعنان ناقته بيد علي البغدادي يقودها أمام الحاج ، إذ سمع الوزير ينشده :
إلى متى تتبع الرجال فلا * تتبع يوما لُامّك الهبل
ما أبعد المكرمات عن غيره * على نوال الرجال تتّكل
فلمّا نزل منى تركه الخيّاط وولّى منهزما ، فلم يعرف له بعد ذلك خبر ، فكأنّ الأرض ابتلعته أو السماء اجتذبته . ولمّا قضى الوزير مناسكه ، ورجع إلى الحلّة ، واستمرّ في الوزارة إلى سنة إحدى وخمسمائة ، فوقع بين السلطان محمّد بن ملك شاه السلجوقي ، وبين ملك العرب صدقة بن دبيس ، وحشة شديد أدّت إلى الجدال والقتال ، وجدّ الوزير المذكور في إصلاح ذات البيت ، فلم يتيسّر له الاصلاح .
فساق السلطان جيشا عرمرم ، واستقبله سيف الدولة بليوث بكر وخثعم ، فاصطفوا بإزاء النعمانيّة ، وقامت الحرب بين الفريقين على ساق ، ثمّ انكشفت عن قتل سيف الدولة المذكور ، وكانت الوقعة في يوم الجمعة سلخ جمادي الآخرة من السنة المذكورة ، وأفلت الوزير ، فحمل بعض أثقاله ، وفرّ منهزماً إلى الحجاز على طريق اليمن .
فلمّا قرب من بلاد اليمن ، وعلم صاحبها بقدوم النقيب ظهير الدولة ، أعدّ له دارا معظّمة من دياره ، وهيّأ له جميع ما يليق به وما يحتاج إليه ، ثمّ خرج لاستقباله ، وأخرج معه جميع الأعيان والمعارف ، فاستقبلوه بالاكرام والتفخيم والتبجيل والتعظيم ، ثمّ جعلوا يسايرونه حتّى أوردوه البلد ، وأنزلوه بتلك الدار