رثوا إليها ، فسمعها يوما يماني ذو نفس أبية ونخوة جاهلية ، فذهب إلى بسر وتلطف بالتزلف إليه حتى وثق به فخرج يوما بولديه إلى وادي أوطاس وقتلهما ثم فرّ وأنشد :
يا بسر بسر بني أرطاة ما طلعت * شمس النهار ولا غابت عن الناس
خير من الهامشيين اللّذين هما * عين الهدى وصمام الأسوق القاسي
ماذا أردت إلى طفلي مولهة * تبكي وتنشد من أثكلت في الناس
أما قتلتهما ظلما فقد شرقت * من صاحبيك قناتي يوم أوطاس
فاشرب بكأسهما ثكلا كما شربت * أم الصّبيين أو ذاق ابن عباس
ومن قولها أيضا :
ألا يا من سبى الأخوي * ن أمهما هي الثكلى
تسائل من رأى ابنيها * وتستقي فما تسقى
فلما استيأست رجعت * بعبرة واله حرّى
تتابع بين ولولة * وبين مدامع تترى
وقيل : إنه لما بلغ علي بن أبي طالب قتل بسر الصبيين جزع لذلك جزعا شديدا ودعا على بسر بقوله : اللهمّ اسلبه دينه ولا تخرجه من الدنيا حتى تسلب عقله ، فأصابه ذلك وفقد عقله ، وكان يهذي بالسيف ويطلبه فيؤتى بسيف من خشب ويجعل بين يديه زق منفوخ فلا يزال يضربه حتى يسأم .
وقيل : دخل عبيد اللّه بن العباس على معاوية بن أبي سفيان وعنده بسر بن أرطاة ، فقال له عبيد اللّه : أنت قاتل الصّبيين أيها الشيخ ؟ قال : نعم أنا قاتلهما . فقال عبيد اللّه : لوددت أن الأرض كانت أثبتتني عندك . فقال : فقد أثبتتك الآن عندي . فقاما فقال عبيد اللّه ألا سيف ؟ فقال له بسر : هاك سيفي ، فلما أهوى عبيد اللّه إلى السيف ليتناوله أخذه معاوية ثم قال لبسر : أخزاك اللّه شيخا قد كبرت وذهب عقلك ، وذاك رجل من بني هاشم قد وترته وقتلت ابنيه تدفع إليه سيفك إنك لغافل عن قلوب بني هاشم ، واللّه لو تمكن منه لبدأ بي قبلك . قال عبيد اللّه : أجل واللّه ، وكنت أثني به .