السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة اللّه وبركاته . قال لها : وعليك السلام يا أم الخير بحق ما دعوتني بهذا الاسم قالت : يا أمير المؤمنين ، لكل أجل كتاب . قال : صدقت فكيف حالك يا خالة ؟ وكيف كنت في مسيرك ؟ قالت :
لم أزل يا أمير المؤمنين في خير وعافية حتى سرت إليك فأنا في مجلس أنيق ، عند ملك رفيق . قال معاوية : بحسن نيتي ظفرت بكم . قالت : يا أمير المؤمنين يعيذك اللّه من دحض المقال وما تخشى عاقبته . قال : ليس هذا أردنا ، أخبريني كيف كان كلامك إذ قتل عمار بن ياسر ؟ قالت : لم أكن زوّرته قبل ولا رويته بعد ، وإنما كانت كلمات نفثها لساني عند الصدمة فإن أحببت أن أحدثك مقالا غير ذلك فعلت . فالتفت معاوية إلى جلسائه فقال : أيكم يحفظ كلامها ؟ فقال رجل منهم : أنا أحفظ بعض كلامها يا أمير المؤمنين . قال : هات . قال : كأني بها بين بردين زائرين كثيفي النسيج وهي على جمل أرمك وبيدها سوط منتشر الضفيرة وهي كالفحل يهدر في شقشقته تقول : يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم ، إن اللّه قد أوضح لكم الحقّ وأبان الدليل ، وبين السبيل ، ورفع العلم ولم يدعكم في عمياء مدلهمة ، فأين تريدون رحمكم اللّه ؟
أفرارا عن أمير المؤمنين ؟ أم فرارا من الزحف ؟ أم رغبة عن الإسلام ؟ أم ارتدادا عن الحق ؟ أما سمعتم اللّه جل شأنه يقول :
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ
( 31 ) ثم رفعت رأسها إلى السماء وهي تقول : اللهم قد عيل الصبر وضعف اليقين وانتشرت الرغبة وبيدك يا رب أزمّة القلوب ، فاجمع اللهم بها الكلمة على التقوى ، وألّف القلوب على الهدى وأردد الحق إلى أهله ، هلموا رحمكم اللّه إلى الإمام العادل والرضي التقي والصديق الأكبر إنها إحن بدرية وأحقاد جاهلية وسببها واثب حين الغفلة ليدرك ثارات بني عبد شمس . ثم قالت : ( قاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون ) .
صبرا يا معاشر المهاجرين والأنصار ، قاتلوا على بصيرة من ربكم وثبات من دينكم ، فكأني بكم غدا وقد لقيتم أهل الشام كحمر مستنفرة فرّت من قسورة لا تدري أيا يسلك بها من فجاج الأرض ، باعوا الآخرة بالدنيا واشتروا الضلالة بالهدى وعما قليل ليصبحن نادمين حين تحل بهم الندامة فيطلبون الإقالة ولات حين مناص ، إن من ضل واللّه عن الحق وقع في الباطل ، ألا إن أولياء اللّه استصغروا عمر الدنيا فرفضوها واستطابوا الآخرة فسعوا لها ، فاللّه اللّه أيها الناس ، قبل أن تبطل الحقوق وتعطل الحدود وتقوى كلمة