وكتبت على الطراز الأيسر :
وأمكن عاشقي من صحن خدّي * وأعطي قبلتي من يشتهيها
وكانت قد طالت مدة مقابلتها مع ابن زيدون فهاج بها الشوق والغرام ، وتضاعف عندها الوجد والهيام ، وذلك بعد ما دلّت عليه إدلالها ، وتسربلت من التمنع أعظم سربالها ، فكتبت إليه قائلة :
ترقب إذا جنّ الظلام زيارتي * فإني رأيت الليل أكتم للسرّ
وبي منك ما لو كان بالشمس لم تلح * وبالبدر لم يطلع وبالنجم لم يسر
فلما وصلت رقعتها إلى ابن زيدون أعلمها أنه لها بالانتظار ، وفي فؤاده يتأجج لهيب نار ، ولا يطفئها إلا اللقاء ، وأعدّ لها مجلسا نضرا أوجد فيه من جميع الأزهار واللطائف ، ومن كل فاكهة زوجين ، ولما آن الوقت المعين للحضور أقبلت ترفل بالدمقس وبالحرير ، كأنها من الحور العين ، فتقابلا وتصافحا ودار بينهما العتاب وقضيا مجلسهما يتعاطيان أكؤس الآداب ، إلى أن آن أوان الانصراف ، مالت إليه مودّعة بانعطاف :
ودّع الصبر محب ودّعك * ذائع من سرّه ما استودعك
يقرع السّنّ على أن لم يكن * زاد في تلك الخطا إذ شيّعك
يا أخا البدر سناء وسنى * حفظ اللّه زمانا أطلعك
إن يطل بعدك ليلي فلكم * بتّ أشكو قصر الليل معك
وانصرفت على أمل اللقاء ، ومكثت زمانا لم تحصل مقابلتهما لدواع سياسية أخرت ابن زيدون عن التمكن من الاجتماع بها ، فكتبت إليه :
ألا هل لنا من بعد هذا التفرّق * سبيل فيشكو كل صبّ بما لقي
وقد كنت أوقات التزاور في الشّتا * أبيت على جمر من الشوق محرق
فكيف وقد أمسيت في حال قطعه * لقد عجل المقدور ما كنت أتّقي
تمرّ الليالي لا أرى البين ينقضي * ولا الصبر من رقّ التشوّق معتقي
سقى اللّه أرضا قد غدت لك منزلا * بكل سكوب هاطل الوبل مغدق
وكتبت بعد الشعرفي أثناء الكتابة : وكنت ربما حثثتني على أن أنبهك على ما أجد فيه عليك نقدا وإني انتقدت عليك قولك :