وكانت النوار دائما تتخاصم معه وتغضب منه وتنفر عنه ، ومكثت معه زمانا طويلا وهي في نكد وعدم راحة ، وكانت عندما تغضب منه تقول : ويحك أنت تعلم أنك إنما تزوّجتني ضغطة وخدعة عليّ . ولم تزل في كل ذلك على مضض حتى حلفت اليمين الموثق ثم حنثت بها وتجنبت فراشه ، فتزوّج عليها امرأة يقال لها : جهيمة من بني النمر بن قاسط حلفاء الجرير بن عباد بن ضبيعة ، فجعل يأتي النّوار وبه ردغ وعليه الأثر فقالت له النوار : هل تزوّجتها إلا هدادية تعني حيا من بني أزد بن عمان ، فقال الفرزدق :
تريك نجوم الليل والشمس حية * كرام بنات الحرث بن عباد
أبوها الذي قاد النعامة بعدما * أبت وائل في الحرب غير تمادي
نساء أبوهنّ الأغرّ ولم تكن * من الأزد في جاراتها وهداد
ولم يك في الحي الغموض محلها * ولا في العمانيين رهط زياد
عدلت بها مثل النّوار فأصبحت * وقد رضيت بالنصف بعد بعاد
ولم تزل النّوار بالفرزدق ترفق به وتستعطفه حتى أجابها إلى طلاقها وأخذ عليها أن لا تفارقه ، ولا تبرح من منزله ، ولا تتزوج برجل غيره بعده ولا تمنعه من مالها ما كانت تبذله له ، وأخذت عليه أن يشهد الحسن البصري على طلاقها فأجابها لذلك واستصحب معه راوية أبي شفقل وراوية أخرى وصحبت النوار رجالا كثيرون كانوا يلوذون بالسواري خوفا من الفرزدق أن يراهم فساروا جميعا حتى أتوا الحسن البصري فقال له الفرزدق : يا أبا سعيد أشهد أن النّوار طالق ثلاثا . فقال الحسن : قد شهدنا فلما انصرفوا قال الفرزدق لأبي شفقل :
قد ندمت . فقال له : واللّه إني لأظن أنّ دمك يترقرق أتدري من أشهدت ؟ يعني بذلك الحسن البصري واللّه لئن رجعت لترجمنّ بالأحجار ، ومضى وهو يقول :
ندمت ندامة الكسعيّ لما * غدت مني مطلقة نوار
ولو أني ملكت يدي وقلبي * لكان عليّ للقدر الخيار
وكانت جنّتي فخرجت منها * كآدم حين أخرجه الضرار
وكنت كفاقىء عينيه عمدا * فأصبح ما يضيء له النهار
وقيل : إنّ النّوار أوصت الفرزدق قبل موتها أن يصلي عليها الحسن البصري فأخبره الفرزدق بذلك فقال له : إن كانت وفاتها قبلنا فأخبرني بها .
فكان كذلك ، وقد توفيت وأخرجت وجاء الحسن البصري ، وسبقهما الناس