فإن تغضب قريش أو لتغضي * فإن الأرض توعبها تميم
هم عدد النجوم وكلّ حيّ * سواهم لا تعدّلهم نجوم
ولولا بيت مكة ما ثويتم * بما صبح المنابت والأروم
بها كثر العديد وطاب منكم * وغيركم أخيذ الريش هيم
فهلّا عن تعلل من غدرتم * بخونته وعذبه الحميم
فعبد اللّه مهلا عن أذاني * فإني لا الضعيف ولا السؤم
ولكني صفاة لم تدنّس * تزل الطير عنها والعصوم
أنا ابن العاقر الخور الصفايا * يضنوا حين فتحت العلوم
فبلغ هذا الشعر ابن الزبير فأسره في نفسه ، وخرج يوما للصلاة فرأى الفرزدق في طريقه ، فعمد إلى عنقه فكاد يدقها ، وقال له : لا بدّ أن تنفذ حكمي فتركه لا يعي ما يفعل فقيل له : عليك بسلم بن زياد ، فإنه محبوس في السجن يطالبه ابن الزبير بمال فذهب إليه وقصّ عليه قصته فقال له : كم صداقها ؟ قال : أربعة آلاف دينار فأمر له بها وبألفين للنفقة فقال الفرزدق في ذلك :
دعي مغلق الأبواب دون فعالهم * ولكن تمشي بي هبلت إلي سلم
إلى من يرى المعروف سهلا سبيله * ويفعل أفعال الرجال التي تنمي
ولما ذهب إلى ابن الزبير ونقده المال سلّمها له ومالها معها ، فقال الفرزدق : خرجنا ونحن متباغضان فعدنا ونحن متحابان وأنشد يقول لها :
هلمي لابن عمك لا تكوني * كمختار على الفرس الحمارا
فجاء بها إلى البصرة فقال جرير :
ألا لا تلم عرس الفرزدق جامحا * فلو رضيت رمح استه لاستقرّت
وقيل : إنها لما كرهت الفرزدق حين زوّجها نفسه لجأت إلى بني قيس بن عاصم فقال فيها :
بني عاصم لا تجنبوها فإنكم * ملاجئ للسوآت دسم العمائم
بني عاصم لو كان حيا أبوكم * للام بنيه اليوم قيس بن عاصم
فبلغهم ذلك الشعر وقالوا له : واللّه لئن زدت على هذين البيتين لنقتلنك غيلة .