وقفت على ربع لمية ناقتي * فما زلت أبكي عنده وأخاطبه
ولما بلغت قوله :
نظرت إلى أظعان مي كأنها * ذرى النخل أو أثل تميل ذوائبه
فأسبلت العينان والقلب كاتم * بمغرورق نمّت عليه سواكبه
بكى وامق حال الفراق ولم تحل * حوائلها أسراره ومعاتبه
هو الإلف قد حان الفراق ولم تحل * محاولها أسراره ومقانبه
قالت الحسناء : لكن اليوم فلتحل ، ثم مضيت في الإنشاد فلما انتهيت إلى قوله :
وقد حلفت باللّه مية ما الذي * أحدّثها إلا الذي أنا كاذبه
إذا فرماني اللّه من حيث لا أرى * ولا زال في أرض عدوّ أحاربه
قالت مي : ويحك ذا الرمة خف عواقب اللّه . ثم ما زلت في الإنشاد حتى بلغت قوله :
إذا رحن من حب لميّ سوارح * على القلب أمّته جميعا عوازبه
قالت الحسناء : قتلته يا مي قتلك اللّه . فقالت ميّ : ما أصحه وهنيئا له .
فأصعد ذو الرمة زفرة كاد حرها يحرق عارضيه أما أنا فداومت إنشادي حتى انتهيت إلى قوله :
إذا راجعتك القول مية أوبدا * لك الوجه منها أو نضى الدرع سالبه
فيا لك من خدّ أسيل ومنطق * رخيم ومرحوق تعلل شاربه
فقالت الحسناء باسمة : قد روجع الآن القول وبدا الوجه فمن لنا بأن ينضى الدرع سالبه ؟ فضحكت مي ثم قالت الحسناء : إن لهذين شأنا ففرجوا عنهما . فقمت مع من قام وجلست بحيث أراهما ، فتعاتبا طويلا ولم يبرح غيلان من مكانه ولم يسمع من حديثهما سوى قولها كذبت واللّه . ولا أدري بم كذبته . ثم جاءني ومعه نافجة طيب أهدته إياها فقال : شأنك وهذه ثم قال :
وهذي قلادة أعطتنيها ، فو اللّه ، لأقلدنها بعيرا ، ثم عقدها في سيفه كالحمائل وانصرفنا ، ثم وقفنا على أطلال مي فأنشد :
ألا فاسلمى يا دار ميّ من البلى * ولا زال منهلا بجرعائك القطر