وقال ابن يحيى : كان مصعب من أشد الناس إعجابا بعائشة بنت طلحة ولم يكن لها شبيه في زمانها حسنا ودماثة وجمالا وهيئة ومتانة وعفة ، وإنها دعت يوما نسوة من قريش ، فلما جئنها أجلستهن في مجلس قد نضّد فيه الريحان والفواكه والطيب المجمر وخلعت على كل امرأة منهن خلعة تامة من الوشي والخزّ ونحوهما ودعت عزّة الميلاء ففعلت بها مثل ذلك وأضعفت ثم قالت لعزة : هاتي يا عزة فغنينا فغنت :
وثغر أغر شنيب النبات * لذيذ المقبل والمبتسم
وما ذقته غير ظن به * وبالظنّ يقضي عليك الحكم
وكان مصعب قريبا منهن ومعه إخوان له ، فقام فانتقل حتى دنا منهنّ والستور مسبلة فصاح : يا هذه إنّا قد ذقناه فوجدناه على ما وصفت فبارك اللّه فيك يا عزة ، ثم أرسل إلى عائشة : أما أنت فلا سبيل لنا إليك مع من عندك ، وأما عزة فتأذنين لها أن تغنينا هذا الصوت ، ثم تعود إليك ففعلت وغنّته مرارا وكاد مصعب أن يذهب عقله فرحا وسرورا وأمرها بالعود إلى مجلسها وقضوا يوما على أحسن حال .
ولما قتل مصعب عن عائشة تزوّجها عمر بن عبيد اللّه بن معمر التميمي ، فحمل إليها ألف ألف درهم ، وقال لمولاتها : لك عليّ ألف دينار إن دخلت بها الليلة ، وأمر بالمال فحمل فألقي في الدار وغطّي بالثياب وخرجت عائشة فقالت لمولاتها : أهذا فرش أم ثياب ؟ قالت لها : انظري إليه فنظرت فإذا هو مال فتبسمت فقالت لها مولاتها : أجزاء من حمل هذا أن يبيت عزبا ؟ قالت :
لا واللّه ولكن لا يجوز دخوله إلا بعد أن أتزيّن له وأستعدّ . قالت : فبم ذا فوجهك واللّه أحسن من كل زينة ؟ وما تمدّين يدك إلى طيب أو ثياب أو حلي أو فرش إلا وهو عندك ، وقد عزمت عليك أن تأذني له . قالت : افعلي .
فذهبت إليه . فقالت : قم بنا فقد قبلت ، فجاءهم عند العشاء الأخيرة ، وقالت حين دخل بها :
قد رأيناك فلم تحل لنا * وبلوناك فلم نرض الخبر
وكانت رملة بنت عبد اللّه بن خلف زوجة لعمر بن عبيد اللّه بن معمر ، ولما تزوّج عائشة قالت رملة لمولاة لعائشة : أريني عائشة متجردة ولك ألف