فو اللّه ما رأيت مثل أم القاسم ، كأنها خوط بانة تنثني ، وكأنها خدل عنان ، أو كأنها خشف يتثنى على رمل لو شئت أن تعقد أطرافها لفعلت ، ولكنها شحنة الصدر وأنت عريض الصدر فإذا كان ذلك كان قبيحا لا واللّه حتى يملأ كل شيء مثله فوصلها الرجل والنساء وتزوّجوهن .
وكان مصعب لا يقدر عليها إلا بتلاح ينالها منه ، وبكل مشقة فشكا ذلك إلى ابن فروة كاتبه فقال له : أنا أكفيك هذا إن أذنت لي . قال : نعم افعل ما شئت فإنها أفضل شيء نلته من الدنيا . فأتاها ليلا ومعه أسودان فاستأذن عليها فقالت له : أفي مثل هذه الساعة يا ابن فروة ؟ قال : نعم فأدخلته فقال للأسودين : احفرا ههنا بئرا . فقالت له جاريتها : وما تصنع بالبئر ؟ قال : شؤم مولاتك أمرني هذا الفاجر أن أدفنها حية وهو أسفك خلق اللّه لدم حرام .
فقالت عائشة : فأنظرني أذهب إليه . قال : هيهات لا سبيل إلى ذلك وقال للأسودين : احفرا . فلما رأت الجدّ منه بكت ، ثم قالت يا ابن فروة : إنك لقاتلي ما منه بد ؟ قال : نعم وإني لأعلم أن اللّه سيجزيه بعدك ولكنه قد غضب وهو كافر الغضب . قالت : وفي أي شيء غضبه ؟ قال : في امتناعك عنه وقد ظنّ أنك تبغضينه وتتطلعين إلى غيره فقد جنّ . فقالت : أنشدك اللّه إلا عاودته .
قال : إني أخاف أن يقتلني . فبكت وبكى جواريها فقال : قد رققت لك ، وحلف أنه يغرر بنفسه ، ثم قال لها : فما أقول ؟ قالت : تضمن عني أني لا أعود أبدا . قال : فمالي عندك ؟ قالت : قيام بحقك ما عشت . قال : فأعطيني المواثيق فأعطته ، فقال للأسودين : مكانكما ، وأتى مصعبا فأخبره فقال له :
استوثق منها بالأيمان . ففعلت وصلحت بعد ذلك لمصعب .
ودخل عليها مصعب يوما وهي نائمة متصبحة ومعه ثمان لؤلؤات قيمتها عشرون ألف دينار فأنبهها ونثر اللؤلؤ في حجرها فقالت له : نومتي كانت أحب إليّ من هذا اللؤلؤ .
قال : وصارمت مصعبا مرة فطالت مصارمتها له وشقّ ذلك عليها وعليه وكانت لمصعب حرب فخرج إليها ثم عاد وقد ظفر فشكت عائشة مصارمته إلى مولاة لها فقالت : الآن يصلح أن تخرجي إليه . فخرجت فهنّأته بالفتح ، وجعلت تمسح التراب عن وجهه فقال لها مصعب : إني أشفق عليك من رائحة الحديد . فقالت : لهو واللّه عندي أطيب من ريح المسك .
معجم أعلام النساء ( الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ) — صفحة 472
مساهمون: زينب فواز العاملي
ص٤٧٢