يستطيعون أن ينصرفوا إلينا عنهم إن أتانا آت قالت : فقلت : يا حسان إن هذا اليهودي يطوف بالحصن كما ترى ولا آمنه أن يدل على عوراتنا من وراءنا من اليهود ، فانزل إليه فاقتله . فقال : يغفر اللّه لك يا ابنة عبد المطلب واللّه لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا . قالت صفية : فلما قال ذلك ولم أر عنده شيئا احتجزت وأخذت عمودا ونزلت من الحصن إليه فضربته بالعمود حتى قتلته ، ثم رجعت إلى الحصن فقلت : يا حسان انزل فاسلبه فإنه لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل فقال : ما لي بسلبه حاجة يا ابنة عبد المطلب ، وهي أول امرأة قتلت رجلا من المشركين .
وكانت شاعرة فصيحة متقدمة عند جميع العرب بالقول والفعل والشرف والحسب والنسب ، وكانت حين مات أبوها عبد المطلب جمعت أخواتها ونساء بني هاشم وصرن يرثينه بقصائد ، كل منهن بقدر طاقتها ، فكان ما قالته صفية من شعر ترثيه قولها :
أرقت لصوت نائحة بليل * على رجل بقارعة الصّعيد
ففاضت عند ذلكم دموعي * على خدي كمنحدر الفريد
على رجل كريم غير وغل * له الفضل المبين على العبيد
على الفياض شيبة ذي المعالي * أبيك الخير وارث كل جود
صدوق في المواطن غير نكس * ولا شحب المقام ولا سنيد
طويل الباع أروع شيظمي * مطاع في عشيرته حميد
رفيع البيت أبلج ذي فضول * وغيث الناس في الزمن الجرود
كريم الجد ليس بذي وضوم * يروق على المسوّد والحسود
عظيم الحلم من نفر كرام * خضارمة ملاوثة أسود
فلو خلد امرؤ لقديم مجد * ولكن لا سبيل إلى الخلود
لكان مخلدا أخرى الليالي * لفضل المجد والحسب التليد
ومن قولها ترثي النبي صلى اللّه عليه وسلم :
ألا يا رسول اللّه كنت رجاءنا * وكنت بنابرا ولم تك جافيا
وكنت رحيما هاديا ومعلما * ليبك عليك اليوم من كان باكيا
فدى لرسول اللّه أمي وخالتي * وعمي وخالي ثم نفسي وماليا
فلو أن ربّ الناس أبقى نبينا * سعدنا ولكن أمره كان ماضيا