تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معجم أعلام النساء ( الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ) — صفحة 341

مساهمون:

ص٣٤١
بهبات الباري تعالى ، وكان أبوها طماعا سيئ الطباع كثير التذمر والحقد على المكارم والأشراف زاعما أنهم علة تعاسته وسبب فقره ، ولذلك كان يندّد بهم ككثيرين غيرهم من الفرنسويين . وتعلمت القراءة والكتابة قبل بلوغها الرابعة من عمرها ، وتعلقت بالمطالعة حين لم يكن لأبويها طاقة على ابتياع الكتب لها ، فأرسلاها إلى دير من الأديرة لتقتبس العلوم عن راهباته فأظهرت فيه من النجابة والبراعة في كل علم تعلمته مما جعلها فخرا لمعلماتها ، وقدوة لرفيقاتها . وأجادت في الموسيقى والتصوير ، وطالعت كل ما عثرت عليه من التواريخ ودواوين الشعر والرحلات والمقالات الدينية والعلمية والفكاهية والسياسية ، وبالغت في استقصاء أحوال اليونان والرومان القدماء واشتدّ ميلها إليهم . قيل : إن أباها وجدها ذات يوم منخرطة في البكاء من أجل أنها لم تولد رومانية ، وكثيرا ما كانت تتصور أمامها اليونان في سلطتهم والرومان في أوجه عظمتهم وتقابل بين أحوال ذينك الشعبين العظيمين وأحوال بلادها التي كانت قد أفرطت في الملاهي والترقي وتهافتت على الباطل فتنفر نفسها الأبية من الدنايا التي انغمس فيها أكابر قومها ، وتتمنى أن يسود الإنصاف وتسن بها الشرائع العادلة أنباء وطنها والظاهر أن ذلك رسخ في ذاكرتها منذ نعومة أظفارها لكثرة ما كان أبوها يلقي على مسامعها من الأحاديث عن الملوك والأشراف ، وهو يجول بها في شوارع باريس ، ويريها قصورها الشاهقة ، ومبانيها الفاخرة وأشراف المدينة وسيداتها خارجين إلى المنتزهات العمومية في عجلاتهم المذهبة بالخدم والحشم ، لاهين بالأحاديث الفارغة ، وخيولهم تدوس المساكين والبائسين وهم لا يبالون ، ثم يقول لها : انظري يا ابنتي أين العدل والإنصاف ؟ أين الآخذون بناصر الإنسانية ليقتص من هؤلاء البرابرة القساة ؟ ألا ترين أنهم يتوسدون الحرير والديباج ويعيشون بالترف والشعب غارق في بحار الهموم محاط بالأتعاب يصل الليل بالنهار في الكدر والكدح ليحصل الخيرية التي يتمتع بها هؤلاء العتاة ؟ وخرجت من المدرسة وهي في الرابعة عشرة فجعلت أمها تمرّنها على أشغال البيت فتخضع لأوامرها خضوعا تاما علما أن الأشغال البيتية من أهم