وقال بعضهم : إنها كانت تغني غناء إبراهيم فتحكيه حتى لا يكون بينهما فرق ، وكان إبراهيم يقول ليحيى : متى فقدتني ودنانير باقية فما فقدتني . وقامت دنانير عند البرامكة دهرا طويلا لم تخرج من عندهم ، ولا كفرت نعمة مولاها ، وشغف بها عقيل مولى صالح بن الرشيد فخطبها فردته فاستشفع عليها مولاها صالحا وابن محرز وغيرهما فلم تجبه فكتب إليها :
يا دنانير قد تنكّر عقلي * وتحيرت بين وعد ومطل
شغفي شافعي إليك وإلا * فاقتليني إن كنت تهوين قتلي
ما أحبّ الحياة يا أخت إن لم * يجمع اللّه عاجلا بك شملي
فكان كالكاتب على صفحات الماء ، ومات ولم يجد لعلته من دواء .
وأقامت على الوفاء لمولاها وأصابتها علة الجوع الكلبي وهي عند البرامكة فكانت لا تصبر عن الأكل ساعة واحدة ، فكان يحيى يتصدق عنها في كل يوم من شهر رمضان بألف دينار لأنها كانت لا تصومه .
وحكي أن الرشيد دعا بها بعد نكبة البرامكة وأمرها أن تغني فقالت : يا أمير المؤمنين آليت أن لا أغني بعد سيدي أبدا . فغضب وأمر بصفعها فصفعت وأقيمت على رجليها وأعطيت العود ، فأخذته وهي تبكي أحرّ بكاء وغنت صوتا يفتت الجلمود حزنا فرّق لها الرشيد وأمر بإطلاقها فانصرفت .
« 203 » - دهيا ابنة ثابت بن تيفان
وقومها جرادة من زنانة كانت تلقب بالكاهنة ملكة البربر في جبل أوراس .
قال ابن خلدون : وكان لها بنون ثلاثة ورثوا رياسة قومهم عن سلفهم ، وربوا في حجر فاستبدت عليهم وعلى قومهم بهم وربما كان لها من الكهانة والمعرفة بغيب أحوالهم وعواقب أمورهم فانتهت إليها رياستهم فملكت ( 35 ) سنة وعاشت ( 127 ) سنة وكان قتل عقبة بن نافع بإغرائها ، وكان المسلمون يعرفون ذلك منها . قيل : وكان مذهبها ومذهب قومها وقبائل تفوسة اليهودية ،
هامش
( 203 ) - دائرة معارف البستاني 8 / 73 .