وكانت زوجته على جانب عظيم من النباهة والفطنة فتعلمت منه عمل التماثيل الشمعية وأتقنته غاية الإتقان ، وكانت تساعده في أعماله ، وكان منزوليني ملازما للي المصوّر الشهير في أعماله ويساعده في أشغاله فوسوس شيطان الظنون في أذني منزوليني وظن أن للي عازم على أن يستأثر بالاسم والشهرة من عمل تلك التماثيل ولا يبقى له اسم فيها فعزم على تركه ، وكان للي دائما يعترف بفضله ويقول : إنه لولا مساعدة منزوليني لم يستطع عمل تلك التماثيل ، فلما رأت حنة خطأ زوجها عزمت أن تتعلم منه فن التشريح وتتم العمل الذي أحجم عنه حفظا لصيته ، فأجابها إلى طلبها لشدة تعلقه بها ، وعلمها هذا الفن فدرسته برغبة شديدة وقرأت أحسن المصنفات فيه وشرحت الأجساد البشرية بيدها رغما عما وجدته في نفسها من الكراهة الشديدة لذلك فإنها كثيرا ما كانت تمرض من رؤية الأجساد المشرحة ولكنها كانت تتغلب على ما بها من الضعف الطبيعي حتى أتقنت هذا الفن واكتشفت فيه اكتشافات كثيرة ، وفي غضون ذلك أنشأ أحد الأطباء مدرسة تعليم فن الولادة وطلب إليها أن تصنع له أجنة من الشمع متفاوتة في النموّ فصنعت له الأجنة المطلوبة على غاية الإتقان ثم جعلت تقدم خطابا في فن التشريح العلمي وتشريح المقابلة وأتقنتهما أشد الإتقان فذاع صيتها حتى عم أوروبا لغزارة معارفها وحسن أسلوبها في التعليم .
وفي سنة ( 1755 ) م توفي زوجها عن ولدين صغيرين فحزنت عليه حزنا شديدا لأنها كانت تحبه حبا مفرطا مع كثرة عيوبه ولكنها لم تنفك عن خدمة العلم ، وفي السنة الأولى من ترمّلها انتخبت عضوا في المجمع العلمي ببولونيا ثم في مجامع أخرى كثيرة وجعلتها حكومة بولونيا أستاذة تشريح في مدرسة بولونيا الطبية ولكن الانتظام في سلك هذه الجمعيات كان نفعه معنويا لا ماديا لأنها كانت في حالة يرثى لها من الفقر ولم تزد أجرتها في مدرسة الطب عن ثلاثمائة فرنك في السنة ، وكانت على جانب عظيم من الجمال ولكنها كانت عفيفة النفس طاهرة السيرة والسريرة لأن العلم يعصم ذويه عن ارتكاب الدنايا .
وفي سنة ( 1765 ) م طلبت من الحكومة أن تزيد راتبها وتجعله خمسمائة فرنك في السنة فلم تجبها إلى طلبها ولكن أحد أرباب الحكومة وهو الكونت أنوزي أباح لها أن تقيم في بيته آكلة شاربة بشرط أن تعطيه بدل ذلك كل كتبها
معجم أعلام النساء ( الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ) — صفحة 289
مساهمون: زينب فواز العاملي
ص٢٨٩