جنان إن جدت يا مناي بما * آمل لم تقطر السماء دما
وإن تمادى ولا تماديت في * منعك أصبح في قفرة رمما
علقت من لو أتى على أنفس ال * ماضين والغابرين ما ندما
لو نظرت عينه إلى حجر * ولد فتوره سقما
وقال الجماز : كنت عند أبي نواس جالسا إذ مرّت بنا امرأة ممن يداخل الثّقفيين ، فسألها عن جنان وألحف في المسألة ، فاستقصى ، فأخبرته خبرها وقالت : قد سمعتها تقول لصاحبة لها من غير أن تعلم أني أسمع : ويحك قد آذاني هذا الفتى وأبرمني وأحرج صدري ، وضيق عليّ الطرق بحدة نظره وتهتكه فقد لهج قلبي بذكره والفكر فيه من كثرة فعله لذلك حتى رحمته ، ثم التفتت فأمسكت عن الكلام ففرح أبو نواس بذلك ، فلما قامت المرأة أنشأ يقول :
يا ذا الذي عن جنان ظل يخبرنا * باللّه قل وأعد يا طيّب الخبر
قد اشتكتك وقالت ما ابتليت به * أراه من حيثما أقبلت في أثري
ويعمل الطرف نحوي إن مررت به * حتى ليخجلني من حدّة النّظر
وإن وقفت له كيما يكلمني * في الموضع الخلو لم ينطق من الحصر
ما زال يفعل بي هذا ويدمنه * حتى لقد صار من همي ومن وطري
وقيل : أرسلت جنان تقول لأبي نواس : قد شهرتني فاقطع زيارتك عني أياما لينقطع بعض القالة . ففعل ، وكتب إليها :
إنا اهتجرنا للناس إذ فطنوا * وبيننا حين نلتقي حسن
ندافع الأمر وهو مقتبل * فشبّ حتى عليه قد مرنوا
فليس يقذى عينا معاينة * له وما إن تمجه أذن
ويح ثقيف ماذا يضرّهم * لو كان لي في ديارهم سكن
أريب ما بيننا الحديث فإن * زدنا فزيدوا فما لذا ثمن
وقيل : كتب إليها من بغداد :
كفى حزنا أن لا أرى وجه حيلة * أزور بها الأحباب في حكمان
وأقسم لولا أن تنال معاشر * جنانا بما لا أشتهي لجنان
لأصبحت منها داني الدار لاصقا * ولكنّ ما أخشى فديت عداني
فواحزنا حزنا يؤدي إلى الردى * فأصبح مأسورا بكل لسان