وانكسارهم للعدّو المفضي إلى دمارهم ، فعاودتها الأحلام والرؤيا وزعمت أنها مأمورة بالإلهام بإنقاذهم وبلادهم من الهلكة والمعرّة ، وانتشال قومها من هوّة الحيف والمضرة ، وبعد تردد وإعمال روية سارت إلى شارل ملك فرنسا وذلك في شهر شباط سنة ( 1429 ) ميلادية وكان عليها أن تقطع مسافة ( 150 ) فرسخا في أقطار مشحونة بذئاب الإنكليز ومحفوفة بالمكاره والأهوال حتى تبلغ مدينة لوزين حيث يقيم الملك ، فتزيت بزي فارس وعلت جوادها بعد أن تقلدت حساما بتارا واخترقت تلك المهامه حتى إذا أشرفت على مقر الملك بعثت تنبئه بقدومها وتخبره بأنها ستكون منقذة العرش ورافعة الحصار عن ( أورليان ) وأنها ستمهد سبيل تتويجه في ( رام ) فلما قدم عليه البشير بذلك النبأ ابتسم ذريا عن قلب مشحون بالغيظ ، ثم استمر مع وزرائه في شأنها ثلاثة أيام فكان فريق يسخر منها ويضحك عليها وفريق يذود عنها ويرى إلقاء المقاليد إليها والملك بين ذلك من حزب لا إلى هؤلاء ولا هؤلاء حتى أسفر الرأي عن لقائها ، فلبس الملك ثياب أحد أتباعه وألبسه ثوبه الملكي اختبارا لأمرها ثم أذن لها فجاءت تخترق صفوف الحشم والحاشية حتى وقفت بإزائه فانحنت جاثية لديه قائلة له بلسان ذرب : حييت وحبيت أيها الملك الحليم . فقال لها : أخطأت فإن الملك هو ذاك مشيرا إلى من ألبسه ثوبه فقالت : ما الملك إلا أنت وما أنت إلا الملك وإني لمؤمورة أنا العذراء المسكينة بشد أزرك والدأب لأسباب نصرك وما على الرسول إلا البلاغ ، فخلا بها الملك حينا من الدهر ثم ناجى وزراءه فقال لهم : لقد أحاطت لعمري بما في سرائري وأدركت مما لا يدركه بعد اللّه إلا ضمائري وإني لا أشك أن أكون من أمرها على ثقة ، ولكن لا بأس من التأني ريثما تمتحن ، ثم أتاها برهط من مهرة الأطباء وأساطنة العلماء ، حاولوا أن يفقروها بمسائل مشكلات وغوامض حتى إذا أعيتهم الحيل وعادوا بالخيبة والفشل ، عززها الملك بكتيبة من خواص فرسانه فبرزت أمام الجيش شاكية السلاح معتقلة بيدها رمحا وبالأخرى راية وأخذت تعدو على جوادها متفننة في أنواع الفروسية حتى سحرت الناظرين فهتفوا ترحيبا بها واستحسانا وتعجبا منها ، ثم صارت بجيشها تنهب الأرض هملجة وخببا حتى بلغت العسكر في أورليان وإذا بأرواح القوم تكاد تبلغ التراقي والعدوّ محيط بالمدينة إحاطة الهالة بالبدر ، وأهلها في شدة من ضيق الخناق ، فأمرت بادئ بدأة بتطهير العسكر من عواهر النساء ، وحضّت الرجال على الاستمساك بالتقوى
معجم أعلام النساء ( الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ) — صفحة 212
مساهمون: زينب فواز العاملي
ص٢١٢